كـتـاب ألموقع
الدفتر السري// كواكب الساعدي
- المجموعة: كواكب الساعدي
- تم إنشاءه بتاريخ الأحد, 07 كانون1/ديسمبر 2025 11:30
- كتب بواسطة: كواكب الساعدي
- الزيارات: 637
كواكب الساعدي
الدفتر السري
كواكب الساعدي
دفتر الأسرار وبلاد المنافي
كل شيء بدأ في ذلك الدفتر زهيد الثمن، بصفحاته التي بالكاد تحتمل ثقل الحبر وأحلام طفلة. كنت أخبئه بعناية، كمن يخبئ كنزاً ثميناً لا يدرك قيمته بعد، بين ثنايا ملابسي أو تحت وسادتي. كان ذلك الدف-تر الصغير عالمي السري، ملاذي الذي أودع فيه قصصاً لم تكتمل وقصائد خجولة، لم أكن أجرؤ على إظهارها لأحد، رغم أنني نشأت في بيتٍ يتنفس ثقافة.
كان منزلنا مكتبة مفتوحة وقلباً يعشق الفن. ما زلت أذكر والدي، ذلك الرجل الذي كانت روحه معلقة بخيط ممتد من بغداد إلى بيروت. كان يحدثنا عن لبنان كمن يتحدث عن حبيبته الأولى؛ عن جبالها الشامخة وأمسياتها التي تفوح منها رائحة الياسمين والموسيقى. من خلاله، سافرتُ بعيني طفلة إلى شوارع الحمراء، وجلست في مقاهيها قبل أن أزورها. كان عشقه للفن يسري في عروق البيت؛ صوت أم كلثوم المهيب يملأ الأركان في ليالينا، يعلمنا كيف يكون للحب وللوطن وللألم معنى أعمق حين يترجم إلى لحن وكلمات. في هذا الجو، تشربتُ الفن والشعر دون أن أدرك، وكأنني أرضعته مع حليب أمي.
لكن الحياة، كما الشعر، لا تسير على وتيرة واحدة. جاءت رياح المنافي لتقل-ع جذوري الأولى من ترابها. كانت قطر أولى المحطات، ثم الإمارات العربية المتحدة. فجأة، تحوّل الوطن الذي كان حقيقة يومية إلى حنين يسكن القصائد. كل شيء في المنفى كان يذكرني بـ "هناك": رائحة التراب بعد المطر، ضحكات الأصدقاء في أزقة الطفولة، وجه أمي وهي تعدّ شاي العصر. أصبحت القصيدة هي الحبل السري الذي يربطني بوطني، هي النافذة الوحيدة التي أطل منها على دجلة، وأنا أكتب على ضفاف الخليج.
استقر بي المقام أخيراً في الشارقة، "عاصمة الثقافة العربية". هنا، وجدتُ شيئاً مختلفاً. لم تكن الشارقة مجرد منفى، بل كانت بيئة تحتفي بالكلمة وتكرّم الكتاب. في أروقة معارضها للكتاب، وبين جدران ملتقياتها الأدبية، شعرتُ أن ذلك الدفتر الصغير الذي خبأته في طفولتي قد وجد أخيراً متسعاً ليخرج إلى النور. كانت الأجواء الثقافية الغنية، والتقاء المبدعين من كل صوب، بمثابة المطر الذي روى بذرة الكتابة في داخلي، فأنبتت نصوصاً أكثر نضجاً وقوة.
كان تأثير الشارقة واضحاً على نتاجي؛ لم يعد الحنين مجرد بكاء على الأطلال، بل تحوّل إلى رؤية أوسع. أصبحت أكتب عن الوطن من مسافة تمنحني قدرة على فهمه بشكل أعمق، وأكتب عن المنفى ليس كعقوبة، بل كتجربة إنسانية أغنت روحي وصقلت أدواتي كشاعرة. وهكذا، بين حنينٍ لبغداد التي تسكنني، وتقديرٍ للشارقة التي احتضنت قلمي، استمرت رحلة الكتابة... رحلة تلك الطفلة التي بدأت قصتها في دفتر زهيد الثمن، وما زالت تكتب فصلها الأجمل.
المتواجون الان
555 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع


