اخر الاخبار:
إنزال جوي عراقي في سوريا - الخميس, 18 كانون1/ديسمبر 2025 20:11
غداً.. أمطار وضباب في 12 محافظة عراقية - الإثنين, 15 كانون1/ديسمبر 2025 19:48
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

اطلع ياصُفر يابو المصايب والكدر// محمد حمد

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

محمد حمد

 

عرض صفحة الكاتب 

اطلع ياصُفر يابو المصايب والكدر

محمد حمد

 

يتوارث العراقيون جيلا بعد جيل، خصوصا في وسط وجنوب البلاد، طقوسهم الفريدة من نوعها عند توديع شهر صُفر في مشهد مثير للدهشة والفضول يمتزج فيه الفلكلور بالتاريخ والخرافات باعتباره شهر النحس والحزن والشؤم. فيقوم العراقيون بتكسير بعض الأواني الفخارية والزجاجية أمام المنازل والمتاجر. وكذلك كسر أو حرق المكانس.

 

وتجدر الإشارة إلى أن مثل هذه العادات موجودة في بعض الارياف والمدن الصغيرة في دول أوروبا. ولكنها تتعلق بمناسبات اخرى لها علاقة بالمواسم والفصول. وبطقوس مختلفة تتمثل في الغالب بوضع أوراق واغصان يابسة على هيئة شجرة كبيرة في مكان بعيد عن المنازل ثم يقوم متطوعون من ذوي الخبرة بإشعال النيران فيها. وعادة ما يسهر سكان المنطقة، حول الشجرة المحترقة، إلى وقت متأخر من الليل مرددين عبارات واغاني شعبية تبشر بالخير والبركة وبوفرة المحاصيل.

 

ورغم التطور الملحوظ نسبيا الذي جرى على المجتمع العراقي إلّا أن بعض التقاليد ظلت راسخة رسوخ الجبال، خصوصا في وسط وجنوب العراق. حتى "المكناسة" التي كانت تصنع في الماضي من الخوص، شملها التطور "التكنولوجي" والتغيير الحضاري!

 

وشهر صفر يعتبر شهر الحزن والكدر والشؤم. لأن فيه، حسب تفسير بعض المؤرّخين، جرت احداث مؤلمة من الصعب نسيانها أو تجاهلها، كوفاة الرسول محمد واستشهاد بعض الأئمّة إضافة إلى أربعية الامام الحسين. واذكر في طفولتي (غير المأسوف عليها) أن والدتي كانت تضرب على جدران الصريفة بمكناسة عتيقة وتتمتم بآيات قرآنية وبعض الكلمات غير المفهومة وتردّد بصوت مسموع  "اطلع صُفر... اطلع صـفر يابو المصايب والكدر". وكان هذا المشهد يثير فيّ خوفا وفضولا شديدين والكثير من القلق. وكأنّ صفر هذا، وانا استمع الى ما كانت تردّده والدتي، شبحا شريرا يختفي في مكان ما أو "طنطلا" يحتفظ لنا بمفاجآت غير سارة. وبالتالي يجب طرده وابعاده عن الدار التي كانت عبارة عن صريفة كبيرة إلى جانبها أخرى صغيرة تستخدم لوضع الاغراض المنزلية القليلة والبسيطة جدا.

 

يقول بعض المؤرخين ان هذا التقليد الشعبي المتوارث إلى يومنا هذا يعود أيضا إلى ما كان يسمى ب "اصفار مكة" حين كان العرب يخرجون للغزو فتخلو المدينة من أهلها. فتعمّ الوحدة والخوف والتشاؤم. ولهذا يعتبر العراقيون صفر شهر النحس والكدر الذي لا يغادر ذاكرتهم الا بطرده بالمكناسه وتهشيم بعض الأواني على راسه املا في حياة جديدة خالية من الاحزان والهموم. وفي هذا الشهر ايضا عادة ما يتجنّب الناس اقامة حفلات الزواج أو الولادة لأنهم يعتبرون صفر شهر نحس يجلب الشرور!

 

وفي الاربعاء الأخيرة من شهر صفر تقوم بعض النسوة في جنوب العراق بشراء الذهب استعدادا لبدء حياة جديدة بعد مرحلة الاكدار والاحزان. كما يوصي بعض رجال الدين بتقديم "الصدقات" الى الفقراء والمحتاجين.

 

لكن يبقى لدينا، نحن ابناء اليوم، هذا السؤال الذي لا يفارقنا ابدا. وهو: متى ينتهي شهر "صفر" السياسة في العراق؟ بعد سنوات الكدر والحزن والقلق والخوف ونقص الكهرباء والماء...الخ.

وهل يُعقل أن كلّ اشهرنا اصبحت مثل "اصفار مكّة" لا نهاية لها؟

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.