اخر الاخبار:
إنزال جوي عراقي في سوريا - الخميس, 18 كانون1/ديسمبر 2025 20:11
غداً.. أمطار وضباب في 12 محافظة عراقية - الإثنين, 15 كانون1/ديسمبر 2025 19:48
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

الحركة عبر الزمان والمكان... جدلية الفلسفة والفيزياء!// د. ادم عربي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

د. ادم عربي

 

عرض صفحة الكاتب 

الحركة عبر الزمان والمكان... جدلية الفلسفة والفيزياء!

د. ادم عربي

 

الحركة تعني أنَّ جسماً ما، كبيراً كان أو صغيراً، ينتقل من نقطة إلى أخرى في المكان، بسرعة محددة وفي اتجاه معين. وخلال هذا الانتقال يتغير موضعه بالنسبة إلى الأجسام المحيطة به، سواء كان يتحرك على سطح ما أو في الفضاء. وبمعنى آخر، فالحركة في المكان هي انتقال الجسم ضمن أحد أبعاد المكان الثلاثة: الطول أو العرض أو الارتفاع.

 

حركة أي جسم في المكان ترتبط دائماً بحركته في الزمان في الوقت نفسه؛ فلا يمكن مثلاً أنْ تسير على الأرض وتقطع مسافة معينة دون أنْ يستغرق ذلك فترة زمنية محددة، كأن تحتاج إلى خمس دقائق. وهذه الدقائق الخمس نفسها هي تعبير عن انتقالك في الزمن كما هو انتقالك في المكان.

 

إذا سافرت في الفضاء بسرعة تزداد تدريجياً حتى تقترب من سرعة الضوء، أو عبرت مناطق شديدة الجاذبية حيث ينحني الفضاء بقوة، فإنك بالضرورة ستتحرك في الزمن أيضاً؛ إذْ إنَّ مرور الزمن لديك سيتباطأ، حتى لو لم تلحظ ذلك بنفسك.

 

وعلى العكس، يمكنك أنْ تجلس على كرسيك عشر دقائق مثلاً، فتكون قد انتقلت في الزمن دون أنْ تغير مكانك. ومن منظورك الشخصي، تكون قد تحركت زمنياً فقط، دون أي انتقال مكاني.

 

تخيل أنك تحاول أنْ تكون في مكانين مختلفين في اللحظة نفسها، هل هذا ممكن؟

من هنا يمكننا الوصول إلى تعريف فلسفي للحركة، فهي تقوم على تناقض جوهري ؛ إذْ لا يمكن فهمها حقاً إذا تجاهلنا هذا التناقض.

فمن منظور فلسفي، الجسم المتحرك يوجد في اللحظة ذاتها في مكان ما، وفي الوقت نفسه لا يوجد فيه أو في اللحظة نفسها، يكون، ولا يكون، في الموضع أو الموقع نفسه؛ وهذا التناقض بالذات هو أساس وجوهر الحركة في المكان.

من الناحية الفلسفية، وخاصة من منظور الجدل، يمكن فهم الحركة في المكان  على أنها شكل من السكون تم نفيه وفي الوقت نفسه الاحتفاظ به. فالحركة هي نتيجة هذا النفي وهذا الاحتفاظ معاً. أي أنَّ الحركة والسكون ضدّان يجتمعان في وحدة لا تنفصل، ويستمران في صراع دائم يولّد الحركة ذاتها.

 

بعد السؤال الفلسفي، يبرز السؤال الفيزيائي: هل يمكن أنْ تصف جسماً بأنه متحرك أو ساكن دون أنْ تقول بالنسبة إلى شيء ما؟

جرّب هذا التفكير وستدرك أنَّ الحركة نسبية، وكذلك السرعة، واتجاه الحركة، وحتى السكون.

فأنت مثلاً تقف على سطح الأرض وتنظر إلى السماء ليلاً، فترى جسماً ما يتحرك بسرعة معينة. وباستخدامك أدوات دقيقة للرصد والقياس تصل إلى نتيجة علمية تقول إنَّ هذا الجسم يتحرك بسرعة 200 متر في الثانية مثلاً.

 

تخيّل لو أنَّ جميع المراقبين في الكون استطاعوا رؤية هذا الجسم واستخدموا الأدوات والوسائل نفسها التي استخدمتها أنت، هل سيحصلون على النتيجة ذاتها؟

الجواب: لا. فبعضهم سيجزم أنَّ الجسم ثابت لا يتحرك، بينما سيرى آخرون أنه يتحرك ولكن بسرعات مختلفة؛ فقد يقدّر أحدهم سرعته بـ 300 متر في الثانية، وآخر بـ 10 أمتار في الثانية، وربما يراها آخر 100 ألف كيلومتر في الثانية.

 

تخيّل أنَّ الأرض أشبه بحافلة ضخمة تتحرك في الفضاء، وأنت جالس في آخر مقعد في هذه الحافلة . قمت بدفع كرة باتجاه المقدمة بسرعة 10 أمتار في الثانية.

الآن، لو كان هناك شخص خارج الحافلة  يقف ثابتاً ويراقب الكرة عندما تمر أمامه، فهل سيجد سرعتها 10 أمتار في الثانية فقط؟

بالطبع لا؛ فهو سيرى سرعتها أكبر لأنها مضافة إلى سرعة الحافلة  نفسها.

أما مراقب آخر، بعيد جداً في الفضاء، فقد يقيس سرعتها ويجدها مثلاً 200 ألف كيلومتر في الثانية.

 

تخيّل أنك داخل غرفة مغلقة لا تستطيع رؤية ما خارجها، وهذه الغرفة تتحرك في الفضاء البعيد، بعيداً تماماً عن أي مصدر للجاذبية. تتحرك بخط مستقيم وبسرعة ثابتة، سواء كانت 200 متر في الثانية أو 200 كيلومتر في الثانية أو حتى 10000 ألف كيلومتر في الثانية. في هذه الحالة، كل ما ستشعر به هو أنَّ غرفتك خالية تماماً من تأثير الجاذبية، ولا شيء آخر يكشف لك عن سرعتها.

 

تخيّل أنَّ قوة خفية ما ، لا تراها ولا تستطيع إدراكها، بدأت تدفع حجرتك في نفس اتجاه حركتها، لكن هذه المرة بقوة متزايدة لحظة بعد أخرى. عندها ستشعر وكأنَّ جاذبية ما ظهرت داخل حجرتك.

أما أنا، الذي أراقبك من فوق سطح الأرض مثلاً، فسأرى أنَّ حجرتك كانت تتحرك أولاً بسرعة ثابتة، ثم بدأت تتسارع، أي تزداد سرعتها بشكل منتظم مع مرور الوقت، مع بقائها دائماً في خط مستقيم. ومن موقعي سأراها تبتعد شيئاً فشيئاً عن نقطة معينة في الفضاء، أو عن مكاني أنا على الأرض.

 

تمييز الحركة مع سرعتها واتجاهها عن السكون أمر نسبي؛ فهو يعتمد دائماً على وجود مراقب يلاحظ الجسم. فالمرء يرى الحركة عندما يلاحظ جسماً يبتعد عنه أو يقترب منه، أو يتحرك بالنسبة إلى نقطة أخرى، قد تكون جسماً آخر.

 

أما المراقب نفسه، فهو جزء من موقعه، أي أنه ينتمي إلى إطار مرجعي محدد، مثل كوكب أو نجم  أو مركبة تتحرك بخط مستقيم في فضاء خالٍ من الجاذبية. هذا الإطار المرجعي يجمع بين المكان والزمن في وحدة واحدة لا تنفصل.

 

كما يستخدم المراقب أدوات لقياس الزمن والمسافات، كالساعة والمتر. وتجدر الإشارة إلى أنَّ كلاً من الساعة والمتر يتأثران بالحركة السريعة جداً الناتجة عن التسارع، وبالجاذبية القوية، أي بانحناء الفضاء. فالسرعة العالية أو الجاذبية الشديدة تؤدي إلى بطء الزمن وتمدد الساعة، وكذلك إلى انكماش المقاييس المكانية مثل المتر والطول.

 

الحركة والسرعة دائماً ترتبطان بتأثيرات تباطؤ الساعة وانكماش المتر؛ فإدراكك للحركة يعتمد على عينك المتحدة مع ساعتك ومترك، أي أنَّ رؤيتك مرتبطة مباشرة بقياساتك للزمن والمسافة.

 

وبالنسبة لنقطة ثابتة تختارها لتكون مرجعك، تستطيع تمييز الحركة عن السكون، وقياس السرعة وتحديد اتجاه الجسم المتحرك. فبالنسبة لهذه النقطة الثابتة (الثابتة نسبياً من وجهة نظرك)، ترى أنَّ الجسم يتحرك بسرعة معينة لأنه يبتعد عنها أو يقترب منها.

 

وكل الحركات نسبية، لأنه لا يوجد في الكون إطار مرجعي مطلق، أي لا توجد نقطة أو جسم ثابت تماماً بالنسبة للفضاء نفسه؛ بمعنى آخر، السكون المطلق غير موجود في الكون.

 

عنقود المجرات قد يبدو ثابتاً في مكانه بالنسبة للفضاء القريب منه، لكنه في الحقيقة يتحرك مع الفضاء نفسه، لأنَّ المسافات بين عناقيد المجرات تتسع باستمرار وبسرعة متزايدة. هذا يعني أنَّ أي عنقود مجرات لا يمكن اعتباره نقطة مرجعية مطلقة. وحتى لو افترضنا إمكانية اعتباره كذلك، فهل يمكن لكل مراقب في الكون أنْ يراه ويعتمده كنقطة ثابتة؟ الإجابة: لا، لأنه لا يوجد إطار مرجعي مطلق يشمله الجميع.

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.