اخر الاخبار:
إنزال جوي عراقي في سوريا - الخميس, 18 كانون1/ديسمبر 2025 20:11
غداً.. أمطار وضباب في 12 محافظة عراقية - الإثنين, 15 كانون1/ديسمبر 2025 19:48
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

الحتمية ماركسياً ودينياً!// د. آدم عربي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

د. آدم عربي

 

عرض صفحة الكاتب 

الحتمية ماركسياً ودينياً!

د. آدم عربي

 

تُعدّ محاولة فهم الأسباب التي تؤدي إلى حدوث الأشياء إحدى القضايا التي شغلت الفكر الإنساني على مر العصور. إذْ إنَّ سؤال "لماذا حدث هذا الشيء؟" هو جوهر البحث عن التفسير والتعليل، لأنَّ معرفة السبب تلغي عنصر الدهشة والعجب.

 

على مر التاريخ، بُذلت جهود فلسفية وعلمية هائلة لفهم ظاهرة "الحدوث"، لكن بعض هذه المحاولات أساءت الفهم أوْ تعمدت ذلك، لأنَّ تفسير الظواهر بطريقة معينة قد يخدم مصالح فئات اجتماعية معينة. وقد أفرزت هذه الجهود مفاهيم مثل الحتمية، الضرورة، السببية، القدرية، المصادفة، والمستحيل والممكن، وكل شيء مرتبط ومنوط بإرادة الإنسان، والتي غالبًا ما تداخلت أوْ اختلطت مع بعضها البعض.

 

يخلط البعض بين مفهومي "القدرية" و"الحتمية"، فثمة من فَهِم "القدرية" و"الحتمية" على أنَّهما شيءٌ واحد، لا فَرق في المعنى بينهما. رغم أنهما يمثلان رؤيتين مختلفتين. في المنظور القدري، والمعروف بـ"القضاء والقدر"، في هذا المفهوم الديني كلّ شيء مكتوب سلفاً ولا يمكن تغييره، حيث يُنظر إلى الكون كنظام إلهي مُحكم يتحكم في جميع الأحداث فما شاء الله فعل ولا مانع لإرادة الله، بما في ذلك أفعال الإنسان التي تبدو وكأنها نابعة من إرادته الحرة، لكنها في الواقع جزء من المخطط القدري المحتوم. فإرادة الإنسان الحرة حسب هذا المفهوم جزء أساسي من نظام القضاء والقدر.

 

أما الحتمية الماركسية، المستندة إلى المادية الجدلية، فالحتمية الماركسية الجدلية، هي رؤية فلسفية ترى أنَّ التطور التاريخي والطبيعي يخضع لقوانين موضوعية، لكنه لا يسير في خط مستقيم أوْ وفق مخطط صارم مسبق، بلْ يحدث عبر جدلية التفاعل بين الضرورة والمصادفة، وهي تمثل النقيض الكامل للفكر القدري. فبينما ترفض القدرية فكرة المصادفة، ترى الماركسية أنَّ الضرورة والمصادفة متداخلتان ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، فهما في وحدة لا انفصام فيها، إذْ إنَّ المصادفات تلعب دوراً في تشكيل مسار الأحداث، ولكن ضمن إطار الضرورة الحتمية.

 

لنفترض أنَّ شخصاً كان يسير في مكان معين، وفجأة سقط عليه حجر كبير من أعلى بناية، فمات على الفور. في التفسير القدري، يُعتبر الحادث أمراً مقدّراً، ولا يمكن منعه، حيث كان سقوط الحجر في ذلك الوقت والمكان المحددين مكتوباً مسبقاً من قبل إرادة ليست من جنس إرادة البشر. أما في المنظور الماركسي، فالحادث هو نتيجة تفاعل بين الضرورة والمصادفة؛ فالضرورة تكمن في حقيقة أنَّ جسماً ثقيلاً يسقط من ارتفاع عالٍ لا بدَّ أنْ يسبب ضرراً عند ارتطامه بشخص ما وخصوصاً اذا كان هذا الشخص غير محمي، بينما المصادفة تتمثل في اجتماع العوامل التي أدت إلى سقوط الحجر في تلك اللحظة بالذات وأنْ يكون هذا الرجل هو أنا مثلاً.

إنَّه من الضرورة أنْ تُلقح البويضة في رحم الأم وأنْ تلد مولوداً وإنَّها مصادفة أنْ يكون موسوليني مثلاً.

 

يمكننا فهم الحتمية بشكل أعمق من خلال مثال "حبة الشعير"، التي تمر بمراحل تطورية حتمية: تُزرع، ثم تنمو لتصبح نبتة، ثم تنتج سنبلة مليئة بحبوب جديدة، ما يعكس مفهوم "نفي النفي"، حيث يتحول الشيء إلى نقيضه، ثم يعود مجدداً لكن على مستوى تطوري أعلى ومع الاحتفاظ بما هو جوهري من السابق. ومع ذلك، فإنَّ هذا التطور ليس مستقلاً عن العوامل الخارجية؛ فإذا لم تتوفر التربة المناسبة أوْ لم تحصل الحبة على الماء والحرارة اللازمين، فقد لا تنمو النبتة أبداً، وهو ما يوضح دور الظروف الخارجية في تحديد سرعة أوْ بطء عملية التطور.

 

إذا اقتلعت الرياح نبتة الشعير قبل أنْ تُثمر، فهذه مصادفة أوقفت نموها في تلك الحالة الفردية، لكنها لا تلغي قانون نمو الحبوب بشكل عام. وهذا هو جوهر الفهم الجدلي، المصادفات قد تؤثر على المسار، لكنها لا تنفي الضرورة التي تحكم الظاهرة ككل.

 

كلُّ شيء يتغير ويتطور عبر تحوله إلى نقيضه أوْ التغير ما هو إلّا تحول الشئ إلى نقيضه وهناك الأمثلة الكثيرة والتي يمكن إدراجها فمثلاً السكون يصبح حركة، والحرارة تصبح برودة، والاتحاد يتحول إلى انفصال والماء إلى بخار. هذه التحولات ليست عشوائية، بل تخضع لسببية حتمية، حيث إنَّ كل ظاهرة تحمل في داخلها بذور زوالها وتحولها إلى شيء جديد.

 

وفي مثال آخر, المثال، إذا ارتفعت أسعار سلعة ما بشكل كبير، فإنَّ هذا الارتفاع سيؤدي إلى زيادة الإنتاج، مما يخلق فائضاً في السوق يؤدي لاحقاً إلى انخفاض الأسعار. وبالمثل، فإنَّ الحجر الذي يُقذف في الهواء يكتسب طاقة حركية تدفعه للصعود، لكنها نفسها ستتحول إلى سبب سقوطه بفعل الجاذبية. إنه يحمل أسباب فنانه بنفسه.

 

تُظهر الحتمية الماركسية أنَّ كلَّ شيء يتطور وفقاً لقوانين داخلية تحكمه، وأنَّ الضرورة والمصادفة متداخلتان في تشكيل الأحداث. أما التفسير الديني القدري، فيرى أنَّ كلَّ شيء محدد سلفاً بإرادة عليا لا يمكن تجاوزها.

 

توضح هذه المقاربة الفلسفية أنَّ المصادفة ليست نقيضاً للحتمية، بل جزء من سيرورتها. الفهم الديني لا يعترف بالمصادفة، فهي أمر قضي ونفذ من قبل إرادة ليست من جنس إرادة البشر ومنذ الازل، بينما الفكر الجدلي يعتبرها عاملاً مؤثراً في تحقق الضرورة. بهذه الرؤية، يصبح التاريخ ليس مجرد سلسلة من الأحداث العشوائية، بلْ عملية ديناميكية محكومة بقوانين يمكن فهمها وتحليلها.

 

يتجاوز الفكر الجدلي فكرة الحتمية المطلقة التي تلغي المصادفة، كما يتجاوز فكرة العشوائية المطلقة التي تنفي القوانين. بلْ يرى أنَّ العالم يسير وفق قوانين ضرورية، لكن تحقق هذه القوانين يمر عبر مصادفات وتفاعلات غير متوقعة. هذا الفهم لا يقتصر على تفسير الظواهر الطبيعية، بل يشمل أيضاً التاريخ والمجتمع، مما يجعله أداة قوية لتحليل الواقع وفهم تحولات العالم من حولنا.

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.