
وداعا محمد السرغيني الشاعر الذي اشتهى أن يموت "في كامل الصلاحية"
عبده حقي
يصعب عليّ أن أكتب عن رحيل قيدوم وشيخ الشعراء المغاربة محمد السرغيني بلغة النعي التقليدية، لأن الرجل الذي خبر اللغة في أقصى توتراتها، وجعل القصيدة فضاءً للسؤال والالتباس والتجريب، لا يمكن اختزاله في كلمات العزاء المألوفة. أشعر، وأنا أستعيده اليوم، أنني لا أودع شاعرًا فحسب، بل أودع جزءًا من الذاكرة الشعرية المغربية الحديثة، وواحدًا من الأصوات التي أسهمت في نقل قصيدتنا من طمأنينة العبارة إلى قلق المعنى، ومن مألوف القول إلى مغامرة اللغة.
أستعيد محمد السرغيني كما عرفته وجلست إليه في فاس، المدينة التي احتفظت في وجدانه بمكانة الأصل والمنبع، مهما اتسعت به الجغرافيا الثقافية من القرويين إلى بغداد، ومن الرباط إلى باريس. وأستعيد خصوصًا حوارين كان لي شرف إنجازهما معه، أحدهما لمجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة والآخر لصالح صحيفة «القدس العربي». غير أن الحوار الذي يعود إلي اليوم بإلحاح غريب هو ذلك الذي تحدث فيه السرغيني طويلًا عن الموت، وعن الكتابة في مواجهته، وعن الأثر الذي ينبغي أن يتركه المثقف بعد رحيله.
لم أكن أدرك وأنا أصغي إليه آنذاك أن بعض الأجوبة ستنتظر سنوات طويلة قبل أن تكشف لي عن معناها الأعمق.
قال لي يومها عبارة لم تغادر ذاكرتي: "أشتهي أن أموت في كامل الصلاحية".
تبدو هذه العبارة اليوم أشبه بتوقيع أخير لشاعر ظل وفيًا لفكرة أن الإنسان ينبغي أن يبلغ نهايته وهو محتفظ بصفاء عقله وكرامة حضوره وقدرته على التفكير. لم يكن السرغيني يتحدث عن الموت بمنطق الاستسلام، وإنما كان يقاربه كما يقارب شاعر استعارة عصية: يفككها، يسخر منها أحيانًا، يختبرها فلسفيًا، ثم يعيدها إلى مجال السؤال.
كان منهمكًا يومها في كتابة نص طويل يجعل الموت موضوعه المركزي. حدثني عن الإنسان الذي يأكل ويشرب ويمشي فوق الأرض، ثم يجد نفسه فجأة وقد انتقل إلى تحتها. لم يكن في كلامه افتتان مرضي بالفناء، بل وعي حاد بأن العمر، كلما تقدم، يجعل الموت أكثر حضورًا في أفق التفكير، ويجعل سؤال الكتابة أكثر إلحاحًا: ماذا يستطيع الكاتب أن يترك بعده؟ وما الذي يبقى من الإنسان حين تغيب ملامحه ويبقى أثره؟
أظن أن هذه الأسئلة تصلح اليوم مدخلًا لقراءة تجربة محمد السرغيني برمتها.
فالشعر عنده لم يكن حرفة لغوية ولا طريقًا إلى الشهرة، بل كان شكلًا من أشكال إقامة الإنسان داخل العالم. كان يرى الكتابة وسيلة للتواصل مع الوجود، ولذلك كان شديد الحساسية تجاه كل ما يحول الأدب إلى مجرد مظهر اجتماعي أو بحث عن الصدى والصيت. كان يعتبر أن المثقف الحقيقي لا يضع الكلمة على الورق إلا بعد أن يختبر مسؤوليتها، وأن عليه، كلما تقدم في العمر، أن يسأل نفسه عمّا أضافه إلى الحياة العامة والثقافة والمعرفة.
هذه النظرة الأخلاقية إلى الكتابة تفسر، في تقديري، جانبًا كبيرًا من صرامة تجربته.
محمد السرغيني لم يكن شاعرًا يطمئن إلى ما أنجزه ليعيد إنتاجه في صيغة أخرى. كان شاعرًا دائم الارتحال داخل اللغة. كلما بلغ أرضًا غادرها نحو أخرى، وكلما استقر له شكل شعري بدأ في زعزعته. ولعل هذا القلق الخلاق هو الذي جعل تجربته واحدة من أكثر التجارب المغربية اقترابًا من معنى المختبر الشعري.
القصيدة عند السرغيني ليست نافذة مفتوحة على منظر واضح، بل بناء متعدد الطبقات. تدخل إليه فتجد التراث العربي، والتصوف، والأسطورة، والفلسفة، والأدب المقارن، والذاكرة الفردية والجماعية، ثم تجد خلف هذه العناصر جميعًا ذاتًا شعرية لا تتوقف عن مساءلة اللغة نفسها. ولهذا لم يكن شعره سهل العبور.
كانت قصيدته تتطلب قارئًا مستعدًا لأن يشارك في صنع المعنى، لا قارئًا ينتظر من الكلمات أن تقدم نفسها كاملة عند القراءة الأولى. وقد بدا هذا المنحى لدى بعض القراء غموضًا، لكنه كان، في جانب أساسي منه، نتيجة طبيعية لشاعر رفض أن يقيم داخل اللغة المطمئنة.
كنت أراه شاعرًا يجعل من الغموض أحيانًا منطقة اختبار للمعنى، لا حجابًا مجانيًا يحول بين النص والقارئ. فالقصيدة عنده لا تشرح العالم وإنما تزيده التباسًا جميلًا، ولا تغلق السؤال وإنما تفتحه على احتمالات أخرى.
حتى عناوين دواوينه تبدو لي اليوم جزءًا من هذه الاستراتيجية الشعرية: "ويكون إحراق أسمائه الآتية"، "بحار جبل قاف"، "الكائن السبئي"، "من فعل هذا بجماجمكم" “تحت الأنقاض فوق الأنقاض” الذي توج عنه بجائزة المغرب للكتاب في صنف الشعر."
إنها عناوين لا تستقر داخل المعنى الواحد، وإنما تستدعي القارئ إلى عوالم تتقاطع فيها الأسطورة والرمز والقلق الوجودي والتاريخ الثقافي.
لقد كان محمد السرغيني، بالنسبة إلي، واحدًا من الذين غيروا طبيعة الحساسية الشعرية في المغرب. لم يكتف بتحديث الشكل، بل أعاد النظر في وظيفة الصورة، وفي علاقة القصيدة بالمعرفة، وفي حدود المعجم الشعري ذاته. كان الشعر عنده قادرًا على استقبال عناصر كثيرة من خارج حدوده التقليدية من دون أن يفقد كثافته الشعرية.
ثقافته المتعددة، التي تشكلت عبر دراسته في القرويين وبغداد والرباط والسوربون، لم تبق خلف القصيدة بوصفها رصيدًا أكاديميًا فقط، بل تسربت إلى نسيجها، ومنحتها ذلك العمق الذي يجعل النص يذهب أبعد من المناسبة والانفعال المباشر.
ولذلك لا أستطيع أن أفصل في شخصيته بين الشاعر والأستاذ والباحث.
لقد كان أستاذ أجيال بقدر ما كان شاعرًا كبيرًا. وفي كلية الآداب بفاس ترك أثرًا يتجاوز الدرس الجامعي إلى معنى أوسع للتكوين الثقافي. هناك أسماء تدرّس المعرفة، وأسماء تجعل حضورها نفسه جزءًا من المعرفة. وأحسب أن السرغيني كان من الصنف الثاني.
في حواري معه، لم يكن يتحدث من برج الحكمة المكتملة، وإنما كان يحتفظ بروح السؤال. حتى عندما بلغ مرحلة متقدمة من العمر ظل يتحدث عن الكتابة باعتبارها مشروعًا مفتوحًا، وعن تجربته باعتبارها شيئًا لم يكتمل بعد.
وربما لذلك استوقفتني رؤيته للسيرة الذاتية. لم يكن يعتقد أن السيرة ينبغي أن تكون مجرد استعادة للحكايات الشخصية، بل كان يرى أن السؤال الأساسي الذي يتعين على الإنسان طرحه هو: ماذا أنجزت؟ ماذا صنعت بهذه السنوات؟ ما الفكرة أو الحركة التي ساهمت في بنائها وتطويرها؟
وأنا اليوم أجد أن هذا السؤال نفسه هو أفضل ما يمكن أن نستقبل به رحيله.
ماذا أنجز محمد السرغيني؟
لقد ترك شعرًا يحتاج إلى أن يعاد اكتشافه خارج المناسبات. لقد ترك تجربة جديرة بقراءات نقدية جديدة، لا بوصفها وثيقة من وثائق الحداثة الشعرية المغربية فقط، بل باعتبارها نصًا ما زال قادرًا على طرح أسئلة الحاضر. لقد ترك أثرًا جامعيًا وثقافيًا، وترك في أجيال من الشعراء والباحثين صورة للمثقف الذي لا يفصل الكتابة عن المعرفة.
كما ترك، بالنسبة إلي شخصيًا، ذاكرة حوارين لا أستطيع اليوم قراءتهما بالطريقة نفسها.
أتذكر أنه أخبرني بأن النص الشعري الذي كان يشتغل عليه حول الموت قد يحمل عنوان "من العالم الآخر". ثم قال إنه يتصور الموت كأن الإنسان ينتقل "من دار حمراء إلى دار بيضاء".
كم يبدو لي هذا التصوير اليوم شديد الشعرية وشديد الألم في آن واحد. كأن الرجل كان يرسم لنفسه منذ سنوات صورة العبور.
هناك دار أولى ترك فيها حياته وكتبه ودروسه وقصائده وأصدقاءه وطلبته وشوارع فاس وحدائقها، ودار أخرى لا نعرف عنها إلا ما يسمح به الإيمان والمخيلة والشعر.
لكن بين الدارين، هناك شيء يظل مفتوحًا: الكلمة. فالشعر هو النافذة التي تمنع الغياب من أن يكون كاملًا.
حين يعود قارئ إلى "بحار جبل قاف"، يكون محمد السرغيني هناك. وحين يفتح باحث ديوانًا له ليعيد مساءلة تجربته، يكون هناك. وحين يتذكر طالب قديم صوت أستاذه في مدرج من مدرجات كلية الآداب بفاس، يكون هناك أيضًا.
لقد حدثني في ذلك الحوار عن سرعة النسيان، وعن خوفه من أن يتحول الميت، بعد أيام قليلة، إلى مجرد ذكرى في حديث عابر. وكان يتساءل عن حاجة الثقافة إلى طقوس تجعلنا نتذكر أن الراحلين في ميادين المعرفة تركوا شيئًا وراءهم.
واليوم أجدني أجيبه من هذه الضفة: نعم، تركت سيدي يا محمد السرغيني ما يكفي لكي لا يكون رحيلك محض غياب.
لقد تركت في الشعر المغربي أثرًا لا ينبغي أن يغطيه غبار النسيان. تركت أسئلة أكثر مما تركت أجوبة، وربما كانت تلك أجمل هدية يمكن أن يقدمها شاعر للأجيال التي تأتي بعده.
أما أنا فسأظل أتذكر تلك الجلسات الفاسية في مقهى ساحة فلورانسا ، وذلك الرجل الذي كان يتحدث أمامي عن الموت، ثم يضحك.
أفهم اليوم تلك الضحكة على نحو مختلف. ربما كانت طريقته في تقليص سلطة الفناء عليه، وربما كانت دفاعًا شعريًا أخيرًا عن الحياة، وربما كان يدرك، بحدس الشاعر، أن الموت يستطيع أن يوقف نبض القلب، لكنه يعجز عن إيقاف حركة القصيدة في الزمن.
يرحل الشاعر، إذن، ولا ترحل قصيدته معه. تتركه يعبر وحده، ثم تبقى بين أيدينا، مثل أثر قدم على طريق طويل، تقول لنا إن أحدًا مر من هنا، وأنه لم يكن عابرًا.
عبده حقي
فاس في السبت 15 أغسطس 2026
