
الاشوريون في التاريخ- الحلقة 34
اشوربانيبال وكندلانو "قندلانو" حاكم بابل
يعكوب ابونا
بعد ان قضى اشوربانيبال على الفتنة التي دامت اكثر من ثلاث سنوات، فقد هدأت الامور ظاهريا ليس في بابل فقظ بل في عموم بلاد سومر واكد كذلك، فلم يبقى امام اشوربانيبال، الا ان يخرج من بابل ولكن قبل خروجه كان عليه ان يمسك (يقبض) على يدي الاله بيل (مردوخ)، كما فعل قبله اخوه شمش اوكين، وبهذا جعل نفسه ملكا على بابل.
وعلى راى (ادي شير) بان اشور بانيبال لو علم ان بابل مزعمة ان تخرب نينوى عاصمته وتقوض مملكته، لكان قد استاصلها نظير جده سنحاريب ودك اسوارها " .. انتهى الاقتباس
وهذا طبعا كان في علم الغيب. والا كانت بابل تستحق ذلك بكل صراحة لتعاونها مع الاعداء وخيانتها للحكم الوطني الاشوري.
واما ما تبقى من عهد اشوربانيبال الذي استمر عهده بحدود اربعين عاماً.، نجد ان الاضطرابات والقلاقل قد عمت في منطقة القبائل في جنوب العراق واستمرت، في الوقت الذي ان الحكم الاشوري في بابل استمر من خلال كما يسمية، هنري ساغس في كتابه جبروت اشور الذي كان يقول ص 168، استمرت الاضطرابات القبلية في جنوب بابل وكان الحكم الاشوري فيها يتم من خلال مليك غامض الهوية يدعى (كاندالانو) ولا يمثل اكثر من مجرد واجهة خارجية لسلطة اشوربانيبال كحاكم صوري..
ان هذا الوصف (لكاندالانو) يقودنا الى ان نقرا عنه ما كتبه (ادي شير) في كتابه كلدو واثور ص 129: قبل خروج اشوربانيبال من بابل قبض يدي بيل الاله وجعل نفسه ملكا على بابل، واتخذ له اسم (قندلانو) ثم ولى عليها (على بابل) قائدا من قواده يقال له (شمشا دناني) ورجع هو الى نينوى غانما مظفرا، وكان ذلك سنة 648 قبل الميلاد.
يقرا راى ادي شير بان شخصية قندلاتو، هي شخصية الملك اشوربانيبال نفسه، وان حاكم بابل الذي عينه اشوربانيبال كان قائد من قواد جيشه،؟ وهذا عكس ما ذهب اليه جورج رو- تاريخ العراق القديم يقول بان كندلاتو هو الاخر اعلن عصيانه ص"431-576 "وكذلك كتاب تاريخ الشرق الادنى القديم، لوليم هالو وويليام سيمبسون وكذلك تاريخ بابل لبول الان بولو ص 217، وتاريخ كمبرج للعالم القديم" مجموعة باحثيين/ الفصل عن العراق.
كما تذكر حياة ابراهيم في كتابها نبوخذنصر الثاني في ص 40، عين اشوربانيبال حاكما اشوريا على بابل يدعى (كندلانو) ويذكر سميث في كتابه اشوربانيبال ص 323 بان هناك من يعتقد بان كندلانو هو نفسه اشور بانيبال حيث كان يحكم بهذا الاسم بابل... يزيد هذا الاعتقاد بان هذا الحاكم لم يقدم اي شئ او يعمل اي شئ في بابل، واذا لاحظنا تاريخ وفاته هو نفس تاريخ وفاة اشوربانيبال في خريف 627 قبل الميلاد".
فاذا لم تكن شخصية كندالانو شحصية وهمية، ولم يكن قائد الجيش شمشما دناني، بل كان حاكم بابل الذي نصبه اشوربانيبال هو كندالانو المرتبط ارتباطا قويا باشور..
لم يكن امام اشوربانيبال الا ان يتخذ قرارا بالقصاص من الذين ساندوا اوحالفوا او ساعدوا اخوه شمش – شوم – اوكين في عصيانه وتمرده على شقيقه اشوربانيبال:
لنقرا نص حديث اشوربانيبال عن هذا الموضوع:
((حل غضب ساداتي الالهة العظيمة وثقل عليهم. ولم يتخلص واحد منهم. ولم يشفق على واحد منهم. كلهم وقعوا في ايدي. واتوني بعرباتهم وعدتهم الحربية ونسائهم وخزائن قصورهم. اني قطعت السنة الذين خانوني وائتمروا علي وعلى اشور ربي واهلكتهم تماماً. وجئ بالاخر قدام الثيران العظيمة التي سنحاريب جدي صنعها من حجر فرميتهم الى الخندق وقطعت اعضاءهم وجعلتهم فريسة للكلاب والحيوانات الوحشية والجوارح والحيوانات البرية والبحرية. وبهذا كله فرحت قلب ساداتي الالهة العظيمة. واما سائر بنو بابل وكوتا وسبارا الذين احتملوا العذابات ومشقات الجوع فغفرت لهم وامرت ان يبقوا سالمين. ووضعت عليهم سنةّ اشور وبلتي الهي اشور. وضربت عليهم الخراج والجزية المضروبة على سائر ولايات مملكتي.))
ولكن كانت هنالك مناطق اخرى خاضعة للامبراطورية الاشورية نشبت بها اضطرابات، وعصيان فتوجه اشوربانيبال للقضاء على المتامرين والمتعاونيين مع اخيه شمش شوم اوكين لسلطته.
فكان عليه ان يتوجه ضد العرب الذين وقفوا الى جانب شقيقه وساعدوه في تمرده وعصيانه، واكثرمن ذلك فهم استغلوا انشغال اشوربانيبال، في اغماد التمرد، فقاموا بالهجوم على بعض الدويلات الغربية التابعة للسيطرة وحماية الدولة الاشورية، فرغم المقاومة الشرسة التي ابدوها هولاء العربان الا ان الجيش الاشوري استطاع ان يهزمهم، ويهزم ((اوا تع)) وحلفاءه من النبطيين الذين كانوا قد اتخذوا قبل ذلك بعض مناطق المحاطة ببحر الميت موطناً استيطانياً لهم. فقام الجيش الاشوري بمحاصرت ((أ بياتغ)) وقبيلته (قيدار) فوصلت الحالة بهم بسبب الحصار ان يبقروا بطون جمالها وشرب دمها ومائها) وتم القاء القبض على قائد اخر هو (اواتع) ابن هزاعيل وارسل الى نينوى والطوق في عنقه. كانت غنائم التي غنمها الجيش الاشوري لا تعد ولا تحصى، فلنسمع ما يقوله عنها اشوربانيبال (( بيعت الجمال في اسواق بلدي باقل من شيقل من الفضة، للجمل الواحد، واستلم شغيلة السوتامو الجمال وحتى العبيد كهدايا، واعطيت الجمال بقشيشاً لصانعي الجعة وكدفعات اضافية للبستانيين)).
وكان لحكام ممالك ادوم ومؤاب وعمون وحوران ودمشق، ان حملوا على هولاء وقهروهم في كل مواقع القتال فلم يبقى الا الاستسلام والدخول في طاعة الدولة الاشورية.
رغم كل ما قدمه اشوربانيبال الى العيلاميين الا ان ملكهم كان كما اطلق عليه اشوربانيبال ناكراً للجميل، لانه قام بمساعدة ملك بابل شمش شوم اوكين، وظهر لاحقا بان المساعدة كانت مقابل رشوة قدمها له ملك بابل. فاحدث تحرك اشوربانيبال الى عيلام اضطرابات وثورات داخلية فيها ادت ألى مجىء ثلاثة امراء بالتعاقب على عرش العيلامي. الا ان هذا لم يغير من نهج العيلامين، بل استمروا بالوقوف ضد الاشوريين ومقاومته، واكثر من ذلك جعلوا ارض عيلام مرتعاً خصباً للقبائل الكلدية التي كانت تطمع في نيل الاستقلال بمساعد العيلاميين..
لقد كان العام 639 ق.م عاماً حاسما اذ استطاعوا الاشوريين ان يحسموا المعركة مع العيلاميين وان يجتاحوا جميع ارض عيلام وسلبوا ودمروا العاصمة سوسا، اتهموا الاشوريون بانه اناس قتله واشداء.. ولكن الحقيقة ان الاشوريون لم يكونوا يسعون الى استعمال الشدة والقوة، ولم تكن لهم رغبة في التدمير من اجل التدمير ذاته، بل ما كان يقودهم الى روح الانتقام الذي له اسبابه، فمثلا كان انتقامه من العيلامين، لانه وجدت في عاصمتهم من الغنائم كانوا قد اغتنموها بحروبهم وغزواتهم لبلاد النهرين. ((اموال وبضائع وذهب وفضة تعود الى بلاد سومر واكد وكل ارض بابل كان الملوك العيلاميين قد سلبوها في غضون سبع غارات.)) لم يعيدوها، الا عندما تم استعمال الشدة والقوة ضدهم فاعيدت رغما عنهم، في تلك الازمنة كانت القوة والقسوة مطلوبتين، لتحقيق مكاسب مادية، ويمكن ان نطلق عليها فعلا بالحروب الاقتصادية لتامين معيشة شعوبهم؟.
اشوربانيبال لم يكن الوحيد يستعمل القسوة ضد الاعداء بل كانت وسيلة لاثبات قوة وجبروت المحارب امام الاخيرين، لذلك استعمل القوة عندما دمر عاصمة العيلاميين والمدن العيلامية الاخرى بدون ان يعير الجيش الاشوري اي احترام للمعابد. فحطمت زقورة سوسة واسرت الهتها ونبشت القبور. ونقرا: ((خربت ونبشت وفتحت للشمس قبور ملوكهم الاولين والاخرين الذين لم يخافوا اربابي اشور وعشتار، والذين اغاظوا الملوك اجدادي، كما نقلت عظامهم الى بلد أشور. ولقد ارقت عليهم ظلالهم ومنعت تقديم نذور الطعام وسكبت المياه تكريماً لهم. ولمسيرة يوم وخمسة وعشرين يوماً، دمرت مقاطعات عيلام ونثرت الملح والسحلو (نبات شوكي..)، عليها ........... وجمعت تراب سوسة ومداكتو وحالتيماش وبقية مدنهم واخذته الى اشور........ ولقد نفيت من حقولهم ضجيج الناس واصوات الاغنام والبقر وصيحات الحبور في الاحتفالات، وجعلت الحمر والغزلان البرية وكل بهائم السهل ترقد بين جنباتهم كما لو كانت في بيوتها))
بهذا الانتصار انتهت الخصومة التي دامت للاف السنين بين العيلامين وسكان بلاد وادي النهرين. واصبحت الدولة الاشورية تمتد بسطوتها وملكها من النيل الى البحر الميت ومن ارارات الى طوروس ومن قزوين الى زاكروس بحلفاء مشكوك باخلاصهم للدولة الاشورية، كالسيثيين والميديين الذين، اظهروا مدى العداء الذي يكنونه الى الاشوريين.
كانت الامبراطورية الاشورية في اوجه عظمتها، الا ان الواقع السياسي في هذه الفترة بالذات اظهر بان الدولة كانت تمر في اضعف حالاتها، هذا كان الواقع، الا ان هذا الوصف كان من الصعوبة ان يتجر احد من الناس الى قوله، كما يقول جورج رو في الصفحة 448. ولكن احد الاشخاص تجرأ وتحدث عن سقوط الامبراطرية الاشورية العظيمة.
في الحلقة القادمة سنتعرف على ذلك الشخص الذي تجرأ وتحدث عن سقوط اشور العظيمة ...
يعكوب ابونا ................ 26 / 7 /2026
