للذهاب الى صفحة الكاتب   

هل افل نجم السياسة وتفرّق السياسيون شذر مذر؟

محمد حمد

 

 

تمثل الولايات المتحدة الأمريكية النموذج الأكثر وضوحا على نهاية "عصر السياسة" ليحل محله عصر رأس المال ونفوذ المليارديرات وتجار العقارات والاسلحة وأصحاب الشركات الكبرى. فقد اقتحم هؤلاء وبكل قوة ميدان السياسة ليزيحوا عن الطريق ما تعارفنا عليه سابقا تحت مسمى السياسيين. وفي أمريكا تحديدا أن لم تكن ذا شأن مادي لا بأس به ومحفظة نقود تتمتع بعافية جيدة. فلن تجد لك موطيء قدم في عالم السياسة. وقد لا ينطبق الأمر على الجميع. ولكن هذا هو واقع الحال.

 

وتاجر العقارات دونالد ترامب ليس حالة شاذة أو استثنائية. فمعظم رؤساء امريكا كان لهم باع طويل في عالم الأعمال والتجارة. بعضهم مارس اعماله ونشاطه التجاري بشكل هاديء وبعيدا عن الأضواء. كما أن النظام الانتخابي في امريكا يمنح اي مرشح إمكانية جمع أموال طائلة لكي يستطيع  الاستمرار في السباق. والسباق هو في نهاية المطاف يجري بين أشخاص مدججين بالاموال. حصلوا عليها عن طريق تبرعات وهبات و"بخشيش" سياسي وما شاكل ذلك. وعلينا أن نشير هنا أن لا شيء يُعطى دون مقابل.

 

اليوم تجد أن اللغة السياسية وطريقة السرد المرافق لها، والذي كان سائدا قبل عقدين من الزمن، انتهى تقريبا وحلّت محلها لغة "الصفقات" بدل لغة الاتفاقات. وتحولت السياسة من ميدان عمل للمباديء والأفكار والمبادرات الهادفة إلى تطوير النظام الدولي والعلاقات بين الامم، إلى سوق تجاري متعددة الفروع.

 

وفي آخر تغريدة "رئاسية" له قال تاجر العقارات ترامب، مخاطبا القيادة الايرانية "عليكم إبرام صفقة مع واشنطن". ومعلوم أن ترامب لا يستطيع التخلي عن لغة التاجر وأساليب السوق ومبدأ العرض والطلب. وهو في جميع مواقفه وتعامله مع الدول الاخرى يعتبر العالم سوقا مترامي الاطراف. خصوصا عندما يشم رائحة المال، سواء كان على هيئة بترول أو معادن نادرة أو ثروات أخرى اشتهتها "نفسه الدنية" ٓ وعينه الفارغة دوما.

 

ليس جميع رؤساء العالم هم على شاكلة دونالد ترامب. الذي أسس امبراطورية عائلية ستمتد إلى عقود طويلة. تصورا أن لدى ترامب ٥ أبناء و ١١حفيدا والحبل عالجرار. ولا أظن أن هؤلاء سوف يعملون في المستقبل كباعة متجولين او أصحاب حوانيت لبيع الفواكة والخضروات أو يغسلون الاطباق في المطاعم. طبعا لا والف لا !

 

عموما، في السنوات الأخيرة أصبح ترشيح "رجل اعمال" إلى رئاسة الحكومة أو الدولة أمرا مالوفا خصوصا في بعض بلدان أوروبا الشرقية ودول الاتحاد السوفيتي سابقا. وبالنتيجة خلت السياسة من مضامينها التي كانت في يوم ما تشد وتجذب الناس إليها. والدليل أن معظم الأحزاب الكلاسيكية، في أوروبا (أحزاب المباديء والأفكار) بشكل خاص، تعاني من نقص في الموارد البشرية. وتراجعت شعبيتها إلى الخلف في المشهد السياسي، بعد أن استولى راس المال الجشع على قواعد اللعبة ونسف المباديء الأصيلة للعمل السياسي...