
عبقرية الهزيمة
يوسف أبو الفوز
ثمة قادة يدخلون الحروب باحثين عن النصر، وثمة قادة يدخلونها مقتنعين سلفًا أنهم منتصرون، فلا يهمهم سوى خطاب النصر. الفرق بين الفئتين أن الأولى تنظر إلى الخرائط والنتائج على الأرض، أما الثانية فتنظر إلى الميكروفون والكاميرا. الأولى تراجع حساباتها عندما تخطئ، أما الثانية فلا تراجع إلا القاموس، فتستبدل كلمة "هزيمة" بكلمة "نصر"، ثم تواصل المسير كأن شيئًا لم يكن. من هذه الزاوية يبدو لي التشابه بين الديكتاتور صدام حسين و"الملك" دونالد ترامب محكمًا جدًا. ليس لأنهما ينتميان إلى البيئة السياسية نفسها، ولا لأنهما واجها الظروف ذاتها، بل لأن كليهما جسّد ظاهرة سياسية قديمة: تحويل الفشل إلى "بطولة"، والهزيمة إلى رواية انتصار. وهل نسينا أدولف هتلر، الذي ظل في أيامه الأخيرة يعد الألمان بالنصر النهائي بينما كانت برلين تتهاوى فوق رأسه تحت ضربات الجيش الأحمر السوفياتي؟
خاض صدام حسين، "فارس الأمة العربية"، سلسلةً من الحماقات التي دفع العراق ثمنها باهظًا. بدأت بحربٍ طويلة استمرت ثماني سنوات مع جارته إيران، استنزفت البلاد والعباد، ثم بغزو جارته "دولة الكويت"، الذي استدعى تحالفًا دوليًا واسعًا ضده، أعقبه حصارٌ اقتصادي وعزلةٌ لسنوات طويلة تجرّع خلالها الشعب العراقي ويلاتٍ لا تُحصى، وانتهت بسقوط نظامه واختبائه في حفرةٍ أصبحت رمزًا لنهايةٍ مأساوية لا تنسجم مع الصورة الأسطورية التي رسمها لنفسه، فما أبعد المسافة بين صهوة الحصان في الملصقات الرسمية وقاع الحفرة. لكن الكوارث لم تكن تنعكس على خطابه، فكلما ازداد الخراب، ازداد حديثه عن النصر.
وفي المشهد الأخير تقريبًا، كانت دبابات الاحتلال الأمريكي تعبر جسور بغداد، فيما كانت لغة الانتصار لا تزال تملأ الشاشات. كان النظام البعثفاشي يتهاوى على الأرض، بينما كانت الانتصارات تتكاثر في الخطب الرنانة. كان الواقع يسير في اتجاه، والخطاب الصدامي الرسمي في اتجاه آخر.
أما "الرئيس البرتقالي" دونالد ترامب، "أعظم رئيس في التاريخ" وفقًا للرواية التي يحب أن يرددها عن نفسه، فرغم اختلاف السياق والظروف، فقد أظهر نزعة مشابهة في التعامل مع الإخفاقات والتحديات. فالتاجر الذي بنى صورته على النجاح الدائم والقوة المطلقة بدا، في كثير من الأحيان، عاجزًا عن الاعتراف بأن النتائج قد لا تتوافق دائمًا مع رغباته أو توقعاته. سواء في حربه مع إيران، أو في ألعاب الرسوم الكمركية، ففي عالمه لا تكون المشكلة في القرار، بل في العالم الذي يرفض الاعتراف بعبقرية القرار. وعندما تسوء النتائج، يصبح الخطأ في الآخرين: في الإعلام، أو المؤسسات، أو الخصوم، أو حتى الحلفاء إذا اقتضت الحاجة تحميل أحدهم المسؤولية.
ولأن التاريخ يعشق السخرية أحيانًا أكثر مما يعشق المنطق، فإذا كانت سياسات صدام حسين قد انتهت به إلى حفرةٍ أصبحت رمزًا لسقوط أوهامه، فإن السؤال الذي لم يُجب عنه التاريخ بعد هو: إلى أين يمكن أن تقود سياسات ترامب صاحبها؟
جوهر التشابه بين الرجلين أن كليهما تعامل مع الواقع باعتباره مادة قابلة للتفاوض، لا حقيقة يجب التعامل معها. فالاعتراف بالفشل، بالنسبة إلى الشخصية النرجسية، ليس مراجعة ضرورية، بل تهديد لصورة الذات.
لذلك لا يُعالج الفشل، بل يُعاد تسويقه. وبدل السؤال: لماذا أخفقت؟ يصبح السؤال: كيف أشرح الإخفاق باعتباره إنجازًا؟ عند هذه النقطة تفقد الكلمات معناها. تصبح الهزيمة صمودًا أسطوريًا، والتراجع مناورة ذكية، والخسارة نجاحًا مؤجلًا. إنها عملية تجميل لغوية، تشبه محاولة إخفاء حفرة عميقة بسجادة فاخرة. قد تخدع العين للحظة، لكنها لا تلغي وجود الحفرة، ولا تمنع السقوط فيها.
غير أن الواقع لا يهتم بالخطب، ولا الشعارات، ولا بالتصفيق، ولا بحشود المؤيدين. إنه يواصل تقدمه بصمت وعناد حتى يفرض نفسه في النهاية. ولهذا يقع "القادة" الذين يحيطون أنفسهم بالمصفقين وينفرون من النقد في الفخ ذاته؛ فمع مرور الوقت لا يعودون يسمعون إلا أصواتهم، وعندما تختفي الأصوات المخالفة، يختفي معها جرس الإنذار المبكر فتزداد الأخطاء وتتفاقم الكوارث.
التاريخ مليء بقادة خسروا معارك أو انتخابات أو رهانات سياسية، لكنهم احتفظوا باحترام الناس لأنهم امتلكوا شجاعة الاعتراف بالخطأ، مثل ونستون تشرشل الذي تقبّل خسارته الانتخابات عام 1945 رغم أنه كان قد قاد بلاده إلى النصر في الحرب العالمية الثانية. أما الذين أصروا على تحويل كل هزيمة إلى نصر، فقد انتهوا أسرى لأوهامهم الخاصة. فالكذب على الجماهير خطير، لكن الأخطر منه أن يبدأ السياسي بتصديق الأكاذيب التي صنعها بنفسه.
في النهاية، لا يُقاس النصر بعدد المرات التي يُعلَن فيها، بل بالنتائج التي يتركها خلفه. أما الذين يحولون الفشل إلى عقيدة، والهزيمة إلى مناسبة للاحتفال، فإنهم يشبهون لاعب شطرنج يخسر قطعة بعد أخرى، ثم يقف أمام الجمهور مبتسمًا ليعلن أنه بات أقرب إلى الفوز. قد يصفق البعض للحظة، لكن الرقعة تعرف الحقيقة دائمًا.
* الرسم للصديق حمزة حوني طراد

نشر في المدى البغدادية عدد يوم 9 حزيران 2026
