رانية مرجية

 

للذهاب الى صفحة الكاتبة 

«الجنازة»: حين يحضر الموت ليعرّي الحياة

رانية مرجية

 

لا يكتب محمد علي سعيد في «الجنازة» عن موت رجل، بل يكتب عن موت مجتمع بكامله.

فكل سطر في القصة يفتح نافذة على جرح اجتماعي، وكل مشهد يشبه مرآة صافية تكشف التجاعيد التي ترفض القرى العربية الاعتراف بها.

إنها ليست قصة عن عارف أبو مخ — فهو يموت في السطر الأول.

إنما هي قصة عنّا نحن، نحن الذين يسير كل واحد منا في جنازته الخاصة بينما يظن أنه يشيّع سواه.

 

أولاً: القرية… حين يكون المكان شخصاً رئيسياً

لا تُقدَّم القرية هنا مجرد خلفية، بل تظهر ككائن حي، له صوت، وله ذاكرة، وله طريقة فريدة في صناعة الحقيقة من الوهم.

 

حين ينتشر خبر موت عارف «بسرعة الجفن»، لا يقوم النص بتجسيد سرعة الحدث فحسب، بل يعيد تعريف علاقة المجتمع بالأخبار.

فالقرية التي لم تتفق يوماً على حياة أحد، تتفق — وبإجماع نادر — فوراً على موت شخص لم يلتفت إليه أحد في حياته.

 

وهنا يكمن سؤال:

هل نحن مجتمع لا يتفق إلا على الموت؟

هل يحتاج الإنسان إلى أن يموت ليصبح واحداً من الجميع؟

 

ثانياً: الجنازة بوصفها طقساً اجتماعياً لا علاقة له بالموت

تحوّل الجنازة إلى «انفجار سكاني» في القصة ليس فقط مبالغة فنية، بل هو تعبير عن الإشباع الاجتماعي الذي تقدمه اللحظة.

الجميع يحضر:

• التقي وغير التقي،

• الصادق والمنافق،

• من جاء حزناً، ومن جاء فضولاً،

• من جاء ليظهر، ومن جاء ليعدّ نفسه جزءاً من “الناس”.

الجنازة هنا ليست حدثاً دينيّاً؛ إنها المكان الوحيد الذي يجد فيه المجتمع فرصة للالتئام دون أن يُطلب منه شيء سوى الحضور.

 

ثالثاً: عارف أبو مخ… ميت يُعاد خلقه من جديد

عارف، العامل البسيط الذي لا يعرف القراءة ولا يهمه سطر في كتب الدين، يتحوّل فجأة — بقدرة الخطباء — إلى عالم، فصيح، ناسك، مصاب بمرض عضال قاومه بصبر الأنبياء.

 

ما الذي يدفع القرية إلى تزييف سيرة رجل لم يترك وراءه سوى جسده؟

الجواب عميق:

لأن المجتمع بحاجة إلى قديسين أكثر من حاجته إلى بشر.

ولأن الموت هو الفرصة الوحيدة لصناعة بطل من طين.

يختلق الخطيب حياة أخرى للميت، لا ليكرمه، بل ليُرضي الجمهور الذي ينتشي بالبلاغة ويخاف من الحقيقة.

وهكذا، يموت الميت مرة في الحقيقة، ويموت مرة ثانية في الخطاب.

 

رابعاً: الخطيب… سلطة اللغة حين تصبح أداة للتزييف

شخصية الشيخ صلاح الشناوي هي أهم شخصية في النص بعد الراوي.

إنه رمز لسلطة قديمة، مهترئة، لكنها ما زالت تتحكم في وجدان الناس لأنها تملك مكبر الصوت.

في وصف الكاتب لشاربيه المعقوفين ولحيته المسطّرة بالفرجار نكتشف ملامح رجل يعيش خارج الزمن، لكن الناس تقف له احتراماً لأنه يمثل ما تعوّدوا على احترامه.

 

المشكلة ليست في الشيخ وحده…

المشكلة في مجتمع يصر على أن يسمع “بلاغة” حتى لو كانت كاذبة، ويهرب من الحقيقة لأنها بلا موسيقى.

الورقة التي ترتجف في يد الشيخ ليست مجرد ورقة؛ إنها استعارة كاملة للمجتمع نفسه: هشّ، غير ثابت، يعيش على نصوص مستعارة، وكلمات ليست من حياته.

 

خامساً: المثقف… عين ترى ولا تستطيع أن تجرح

الأستاذ صديق الراوي يمثّل أزمة المثقف المحلي:

يعرف أين المشكلة، لكنه لا يريد أن يخسر مكانته أو صورته.

يتمنى جنازة ضخمة له، وكأن القيمة تُقاس بالمشيّعين لا بما تركه الإنسان.

 

إنه يعلّم القراءة لكنه يشارك في مجتمع لا يقرأ.

هو صوت العقل المحاصر، والضمير الذي يخجل من أن يعلو.

 

من خلال هذه الشخصية، يلمّح الكاتب إلى أن المثقف في القرية ليس قائد رأي، بل شاهد عاجز.

 

سادساً: اللحظة التي ينهزم فيها التعليم وتنهزم اللغة

حين يسأل الجد حفيده عن معنى «كلكله» يختصر الكاتب أزمة أجيال كاملة:

اللغة التي يتعلمها جيل الجامعة لغة ميتة، واللغة التي يفهمها الجد لغة حية لكنها خارج الفصول الدراسية.

 

يتعلم الطالب العربية بالعبرية والإنجليزية!

ويسخر الجد من هذا التناقض كما يسخر الموت من محاولاتنا لفهم الحياة.

هكذا يموت التعليم قبل موت أهله، وتموت اللغة قبل موت لسانها.

 

سابعاً: الراوي… الشاهد الذي يدرك حجم الفاجعة

يمتلك الراوي وعياً مريراً، يجعله يرى الجنائز كلها:

• جنازة عارف،

• جنازة اللغة،

• جنازة الصدق،

• جنازة الوعي،

• وجنازة مجتمع يرفض أن يواجه نفسه.

عندما يقول إنه يعيش «جنازتين في الوقت نفسه» فإننا نفهم أنه لا يبكي الميت بل يبكي الوطن.

 

ثامناً: لماذا لا يستطيع الراوي وصديقه الخروج من الدائرة؟

النهاية العبقرية للقصة تكمن في هذا الفشل:

السيارة تستدير، لكنهما يبقيان داخل الدائرة.

 

وهذه ليست حركة مكانية؛ إنها حركة قدرية، فلسفية:

لا أحد يستطيع أن يغادر منطق القرية، لأن القرية ليست مكاناً؛ إنها ذهنية، ورثناها جميعاً.

 

إنها رسالة موجعة:

نحن سجناء عاداتنا.

والجنازة ليست مناسبة… إنها نموذج.

ومن لا يستطيع الخروج من الجنازة، لن يستطيع الخروج من الواقع.

 

تاسعاً: القيمة الفنية للنص

جمال النص يكمن في جرأته الهادئة:

لا يصرخ، لكنه يوجع.

لا يهاجم، بل يكشف.

لا يسخر كي يضحك، بل يسخر كي يحزن.

 

لغة محمد علي سعيد في هذا العمل لغة حية، نابضة، تلتقط التفاصيل الصغيرة التي تصنع حقيقة كبيرة.

إنها لغة لا تخاف من التراب، ولا تهاب من كشف عيوبنا، لأنها تعرف أننا بحاجة إلى مواجهة أنفسنا أكثر من حاجتنا إلى دفن موتانا.

 

*خاتمة

«الجنازة» ليست قصة، بل امتحان أخلاقي**

حين ننتهي من «الجنازة» ندرك أننا لم نقرأ قصة عن موت رجل، بل عن موت مجتمع يرفض أن يرى صورته الحقيقية.

إنها قصة تسألنا — بلا خوف — هل نحن أحياء فعلاً، أم أننا نسير في جنازة طويلة، ندفن فيها الحقيقة، واللغة، والوعي، والصدق، ونعود إلى بيوتنا ونحن نظن أننا قمنا بالواجب؟

قصة تُقرأ بالقلب قبل العقل، وتظل معلقة في الذاكرة مثل جنازة لم تُدفن بعد.

 

هذه «الجنازة» ليست للميت.

هذه الجنازة لنا… نحن الذين لم نتعلم بعد كيف نخرج من الدائرة.