حسين الاعظمي
يوميات حسين الاعظمي (1317)
مانشيت/ 5 هيمنة الشكل المقامي
حلقات مقتطعة من كتابي (افكار غناسيقية). بعض المانشيتات الداخلية من (الفصل الاول) والبحث المقدم الى المؤتمر العلمي المُعد من قبل المجمع العربي للموسيقى في آذار 2007 م بالقاهرة. بمناسبة مرور 75 عاما على المؤتمر الأول للموسيقى العربية المنعقد في القاهرة سنة 1932(اليوبيل الماسي).
البحث (المقام العراقي في خمسة وسبعين عاماً 1932– 2007).
***
مانشيت / 5 هيمنة الشكل المقامي
على كل حال، نحن لا نقول إن النضج والبلوغ ليسا سوى أولى علامات الاتكال، إلا أن هذا لا يعتبر انحلالاً. بل أنه تجميع للقوى التي لم تستغل حتى تلك الحقبة التي سبقت مؤتمر القاهرة عام 1932. ومع ذلك فأنه يبدو من المرجَّح الآن كرؤية مستقبلية لحال أداء المقام العراقي بشكله ومضمونه التاريخيين، بأننا سنضطر وبشكل يستمر إلى تطور هذا الأداء ليدنُ بصورة مستمرة من أذواق وجماليات العصر (هامش1) ومتلقيه ليكون على تماس دائم مع الواقع (هامش2) والمستقبل (هامش3). ويجب ألا ننسى بأن المغنين المؤدين السابقين قد وطّدوا أنفسهم كمؤدي عصرهم البارزين دون شك. وأن الأسباب الداعية إلى الملاحظات النقدية هذه حول نتاجاتهم وخط سيرها الفني، هو أن تلك الظروف سواء السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو … أو.... الخ، التي مرَّ بها بلدنا العراق، أكثر إزعاجا لأي مواطن عراقي وعربي عندما يطلع عليها، وهي بالتالي أسباب ثقافية استسلم لها أكثر معاصريها من المؤدين.
من ناحية أخرى فإننا نلاحظ، أن المؤدين المغنين الشباب أو الأكثرية الساحقة منهم، الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن العشرين، قد اتّصفوا بعدم رغبتهم في التحرر من الشكل المقامي الصارم أيضا كمعظم سابقيهم..! حيث يبدو لنا بأن هذا الجيل المعاصر قد أفزعته واستثارته النماذج التي سبقته وثبّطت من عزيمته..! ويبدو لنا أيضاً، فيما يتعلق الأمر بناظم الغزالي أو يوسف عمر أو حسن خيوكة أو عبدالرحمن العزاوي أو غيرهم من المبدعين رغم إبداعاتهم التي تستحق الذكر والتقدير، ولكنها في الحقيقة استمرار لإبداعات أسلافهم القلائل وتطويراً لها، فكانت محاولات هؤلاء المبدعين الفنية والتقنية الأدائية، قد امست اكثر منها ثورة جديدة على أولئك الأسلاف، أو هي تطويراً حقيقياً للثورة القبانچية في الإبداع والتغيير، بعد تسجيلات المطرب محمد القبانجي الشهيرة في عشرينات القرن العشرين في ألمانيا وفي تسجيلات عام 1932 في القاهرة. حيث رافقته فرقة موسيقية تكوّنت من آلات موسيقية عراقية وعربية من خلال عازفيها المتميزين وهم. (عزوري هارون على آلة العود ويوسف زعرور الصغير على آلة القانون ويوسف بتو على آلة السنطور وصالح شميل على آلة الجوزة وإبراهيم صالح على آلة الرق ويهودا موشي على آلة الطبلة)(هامش4) بعد أن كان غناء المقام العراقي مقتصرا على فرقة الجالغي البغدادي(هامش5) وبذلك يكون القبانچي رائدا في خلط هذه الآلات الموسيقية في عمل غنائي موحد.
بصورة عامة، يبدو لنا أن هناك أملاً كبيراً في أن يتجه الأداء المقامي العراقي ومؤدوه، نحو علمية الأداء وجماليته العاطفية العصرية. كما هو الحال بصورة أوضح من غيره عند المطرب الشهير ناظم الغزالي الذي يعتبر منعطفاً كبيراً جداً في إضفاء نواحي أدائية جمالية وفنية في روح الأداء المقامي العراقي، وسنبقى ننتظر من المؤدين اللاحقين نتاجات أدائية مقامية اقوى وأكثر أصالة، سواء في بغداد أو المحافظات الشمالية العراقية برمتها.
إن النصف الثاني من القرن العشرين، لم يخلُ من محاولات أدائية في مثل هذه الاختبارات، فلو استمعنا إلى مقام المدمي(سلّمه حجاز) لعبد الرحمن العزاوي، ونفس المقام من يوسف عمر، وناظم الغزالي، نجد أن كلاً منهم قد حاول أن يدفع بتقنية الأداء إلى حدٍ يبزُّ به معاصريه..! كذلك نرى أن الأسلوب الخفي الذي يعبِّر عن شخصية كلٍ منهم كان واضحاً، ويبدو لنا أيضا أن كلاً من هؤلاء المؤدين وحتى غيرهم، استقوا أدائهم من خبرتهم الخاصة للتعبير عن شخصياتهم. فعبد الرحمن العزاوي يؤدي منطلقا من كونه مؤديا تقليديا معبرا عن الروح الدينية والدنيوية في مسارات لحن هذا المقام. ويوسف عمر يؤدي من كونه يتميز بالتقليدية الواقعية المتميزة بالسهولة والوضوح. وناظم الغزالي يؤدي منطلقاً من كونه إبداعيا في رؤية معاصرة. فهذه الاتجاهات الجمالية الفنية التي تميِّز كل مؤدٍ منهم، تندمج في الحقيقة مع الأسلوب الخفي الذي يعبِّر عن شخصية كل منهم، لذلك لوْ عدنا إلى موضوع الأكثرية من مؤدي النصف الثاني وتميُّزهم بتقليدية الأداء العفوي، فأنه يبدو لنا بأن القلة القليلة منهم، هم الذين يسيرون في وجهة التطوير والخلق والإبداع، ومحاولة انتشال الأداء المقامي العراقي ومؤديه من الأصرار في أدائهم العفوي التقليدي الذين امتلكوه بالفطرة، ومن ثم دعم هذا الموضوع بالعلم والثقافة الموسيقية والمعرفة.
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
هوامش
- العصر(age): حقبة من الزمن محددة بتواريخ معينة أو صفات خاصة.
2 - الواقع(reality): درجة دوام المعاني التي يتم اكتشافها في اية تجربة أو التي تتصل باي شيء أو شخص أو فكرة أو قيمة فهو الوجود الفعلي.
3 - المستقبل: الزمن القادم المجهول، والمستقبلية (futurism) نزعة نحو الجديد والمجهول والمستقبل اساسها الخروج على المألوف والرغبة في المغامرة.
4 - معلومات موجودة في عدة كتب منها (الموسيقى الفنية المعاصرة في العراق) لـمؤلفه: قوجمان، ي، صادر في 1978 بلندن وكتاب محمد القبانچي لسعدي حميد السعدي الصادر في تشرين الثاني 2005 ببغداد.
5 - الجالغي البغدادي: تعارف الناس على تسمية الفرقة الموسيقية الصغيرة التي ترافق غناء المقام العراقي بجالغي بغداد، وكلمة جالغي تركية الأصل ترجع إلى التعبير المركب من (جالغي طقميسي) الذي يعني جماعة الملاهي، وتتألف هذه الفرقة الموسيقية من الآلات التالية: أ – السنطور ب-الجوزة ج-الطبلة د-الرق
صورة واحدة / في المنامة العاصمة البحرينية وفي بيت احد شيوخ البحرين كانت لنا دعوة على الغداء مع فناني الخليج العربي في آذار 1980. وخلال ايام (مهرجان الاغنية الخليجية) في دورته الاولى. الظاهرون يميناً الفنان الكويتي احمد عبد الكريم. والفنان البحريني عيسى جاسم. والعراقي حسين الاعظمي. والعراقي المطرب احمد الخليل والعراقي عازف الكمان المعروف خليل ابراهيم.