حسين الاعظمي

 

عرض صفحة الكاتب 

يوميات حسين الاعظمي (1314)

مانشيت/ 2 ما هو المقام العراقي؟ وما هو جوهره؟

 

حلقات مقتطعة من كتابي (افكار غناسيقية). بعض المانشيتات الداخلية من (الفصل الاول) والبحث المقدم الى المؤتمر العلمي المُعد من قبل المجمع العربي للموسيقى في آذار 2007 م بالقاهرة. بمناسبة مرور 75 عاما على المؤتمر الأول للموسيقى العربية المنعقد في القاهرة سنة 1932(اليوبيل الماسي).

البحث (المقام العراقي في خمسة وسبعين عاماً 1932– 2007).

***

مانشيت / 2  ما هو المقام العراقي.؟ وما هو جوهره.؟

أعتقد أن هذا الموضوع من أعقد مواضيع البحث وأصعبها، وربما أسهلها في نفس الوقت، لأنه في الحقيقة لا يوجد رأي ثابت أو رأي موحَّد يبيّن جوهر هذا الموضوع..! فقد صاحب تعريف المقـام العراقي اجتهاد شخصـي، تأثر بمؤثرات متنوعة، لذا رأى البعض أن"تعريف المقام العراقي" يعد موضوعاً معقداً وصعباً، بينما رأى البعض الآخر، أنه سهل يسير لا داعي للإيغال في فلسفة لا يحتملها هذا التراث العريق. ولسنا هنا في معرض استعراض تفاصيل وتعاريف تبيِّن ما كتب وما تحدث به النقاد والمتخصصون، بل سنحاول فقط أن نعطي بعض التعاريف لبعض المتخصصين المقاميين المهمِّين في هذا التراث الغنائي. فالمقام هو:(مجموعة انغام منسجمة مع بعضها له ابتداء يسمى بالتحرير أو البدوة وانتهاء يسمى التسليم، وما بين التحرير أو البدوة والتسليم مجموعة من القطع والأوصال والجلسات والميانات والقرارات يرتلها البارع من المغنّين دون الخروج عن ذلك الانسجام المطبوع)(هامش1) وهذا تعريف أخر:(هو مؤلفة غنائية لها قواعد محدودة لانتقال المغني من نغم إلى أخر ليكون للارتجال الغنائي نصيب فيه)(هامش2).

من ناحية أخرى تعني شكله ومكوناته وعناصره، فإنه يتكون بصورة عامة من خمسة عناصر أساسية اتفق عليها كل المؤرخين إذ يعتمد عليها كل مقام على حدة في بنائه اللحني والموسيقي وهذه العناصر هي:

 

1-   التحـــرير: يقصد بهذه المفردة، البداية أو الاستهلال لغناء أحد المقامات العراقية، ويأتي هذا الاستهلال غالباً بكلمات أو الفاظ خارجة عن النص الشعري المغنى مثل أمان. أمان. أو ويلاه. ويلاه ... الخ. ويعتبر التحرير نموذجاً لحنياً متكاملاً لروحية وتعابير وثيمة(هامش3) المقام العراقي المغنّى.

 

2-   القـِطَعْ والأوصال: ويقصد بهاتين المفردتين اصطلاحاً، بالتنوع السلَّمي. أي التحولات السلَّمية أو الأجناس الموسيقية ضمن علاقات لحنية متماسكة والعودة دائما إلى سلَّم المقام العراقي المغنى(السلَّم الأساس -الميلودي) وهذه التحولات أو القطع ذات أشكال ثابتة ومحددة في مساراتها اللحنية في غالب الأحيان.

 

3-   الجلـــسة: وهي النزول إلى الدرجات الموسيقية المنخفضة بأسلوب القرار، ولكن بمسار لحني محدد ذو شكل معين يكاد يكون ثابتاً، أي ليس أي نزول أو أي قرار يعني الجلسة بالضرورة، حيث تشير هذه الجلسة للموسيقيين أو توحي للمستمعين أيضا على أنه ستأتي طبقات عالية من الغناء أي الجواب أو أكثر من الجواب، مثل"فعل ورد الفعل" أي لابد من حدوث هذه الجوابات التي تأتي أيضا بمسارات لحنية محددة وبشكل معين ليس أي جواب أيضا وتسمى هذه الجوابات بـ(الميانة) وهي العنصر الرابع.

 

4-   الميـــانة: ويأتي غناؤها بطبقة صوتية عالية بعد الجلسة مباشرة ذات شكل ومسار لحني معين ثابت، على أن هذه الجوابات أو هذه الميانات ليس من الضروري دائما تسبقها جلسة من حيث هي عنصر من عناصر شكل المقام العراقي، فقد تأتي صيحات غنائية عالية لها مقومات الميانة واهم هذه المقومات ثبات مسار لحن هذه الصيحة في المقام المغنى دون الحاجة إلى أن تسبقها جلسة، في حين أن النزول إلى الجلسة في العنصر الثالث يجب أن تتبعها ميانة في كل الأحوال..! إضافة إلى أن هناك صيحات عالية من الغناء حرة يستسيغها المغني حسب مزاجه الآني لا علاقة لها بموضوع الميانة خلال غنائه للمقام العراقي لأنها لا تمتلك مقومات الميانة.

 

5-   التســليم: وهو نهاية المقام ويأتي غالبا بألفاظ أو كلمات غنائية خارج النص الشعري، شأنه في ذلك شأن ما يحـــدث في العنصر الأول"التحرير"(هامش4).

ومن هذه الناحية يختلف المقام العراقي عن الأغنية المقصودة أو التي نسميها الأغنية الحديثة التي تعكس ثقافة الفرد في المجتمع. لأنها تجارب محدودة لا تتعدى حدودها الفردية، وفي حيز زمني محدد، سواء أكان شاعراً للأغنية أو ملحناً أو مؤدياً لها. فكلهم أفراد معلومون في المجتمع. في حين أن التراث انعكاس لثقافة المجتمع كله وعلى مدى التاريخ وهو ما تعوِّل عليه كل الدراسات الأكاديمية لمعرفة قيمة تراث هذا البلد أو ذاك. فمهما كانت قيمة الفرد الثقافية فإنها تبقى ضمن حدودها التأثيرية الفردية. ويبقى المجتمع صاحب كلمة الحسم في أيه دراسة بحثية أكاديمية.

هكذا كانت فكرة هذا البحث، لإلقاء الضوء على الناحية الإبداعية في غناء المقام العراقي خلال 75 عاما المحددة بين المؤتمر الأول للموسيقى العربية في القاهرة عام 1932 حتى عامنا هذا 2007 التي كان رائدها ومثيرها الأول محمد القبانچي، ومن بعده المغنون الآخرون وأبرزهم الخمسة الكبار.

 

والى حلقة اخرى ان شاء الله

 

هوامش

 - الرجب، الحاج هاشم محمد-المقام العراقي، ط2، بغداد، 1983، ص64

2- إبراهيم، شعوبي-دليل الأنغام لطلاب المقام، وزارة الثقافة والإعلام، ط1985، ص7

3- الثيمة: توضيح فكرة الموضوع الرئيسية.

4 - انظر كتاب– المقام العراقي– للحاج هاشم الرجب في طبعته الأولى 1961 والثانية 1983 ببغداد. وكذلك كتاب– دليل الأنغام لطلاب المقام– تأليف شعوبي إبراهيم خليل في طبعته الأولى ببغداد 1982. انظر أيضا كتاب– الآلات الموسيقية المرافقة للمقام العراقي– للدكتور صبحي أنور رشيد في طبعته الأولى ببغداد 1989. كذلك كتابيْ الباحث– المقام العراقي إلى أين؟ في طبعته الأولى ببيروت 2001 ص 124. وكتاب-المقام العراقي بأصوات النساء-في طبعته الأولى بيروت 2005 وكتب أخرى متخصصة.            

 

 

صورة واحدة/ حسين الأعظمي يعزف على أوتار آلته الأثيرة، (الجوزة) 20 /2 /1992.