حسين الاعظمي
يوميات حسين الاعظمي (1245)
مانشيت 6 أصالتنا الحقيقية والحداثة
حلقات مقتطعة من كتابي(افكار غناسيقية). بعض المانشيتات الداخلية من البحث المقدم الى مؤتمر الموسيقى العربية الدولي الحادي والعشرين في دار الأوبرا المصرية. الموافق من 8 إلى 15 تشرين الثاني 2012 م. (تطور الغناسيقامية في العراق والمحافظة على هويتها خلال القرن العشرين، القندرچي والقبانچي إنموذجا).
***
مانشيت 6 أصالتنا الحقيقية والحداثة
هكذا هي التجربة الفعلية التي ادركتـُها واحسستُ بها خلال تجربتي الخاصة في غناء المقام العراقي، وتجوالي حول العالم بين المهرجانات والمؤتمرات الغناسيقية الدولية في اكثر من سبعين بلدا طيلة زمنا قارب الخمسين عاما..! وعليه لن يكون من قبيل التناقض مع ما سبق قوله بصدد رومانسيتنا المقامية في النصف الأول من القرن العشرين، أن نكتشف بالتحديد في احد مغني الجيل الرومانسـي الكبار، كمحمد القبانچي، منبها ومعلنا عن الحداثة والاتجاهات الطليعية في الغناء المقامي الحديث وفي اطار الدقة الجمالية نفسها التي تجعلنا نرفض التقسيم الذي يطرحه تاريخنا المقامي في جمالياته الأدائية، فان المنظور الجديد الذي يتيحه لنا الغناء المقامي والنقد الحديث والمعاصر، يسمح لنا بالمقابل الاعتراف بعبقرية مغني مقامي تمسك بالأصول التاريخية وحافظ بكل قوة على محلية هذا الكيان، أو بالأحرى على هوية هذا الكيان الغناسيقي التراثي.
رشيد القندرچي الذي توَّجَـهُ معاصروه قائدا لهم ورمزا وطنيا في الالتزام الفني للتراث، ومن ثم جعل جهوده ونتاجاته قمة تبلورت لتكون طريقة رائدة وقائدة لجمع من المغنّين المقاميين ذاع صيتها بـ(الطريقة القندرچية).
كذلك يكون الاعتراف بعبقرية مغني مقامي كبير آخر، محمد القبانچي الذي أقر معاصروه عبقريته ليكون قائداً جديداً لهم في الفكر الجمالي والإبداعي للأداء المقامي، ومبشـراً بالتأملات والرومانسية المقامية، وبدء عصر جديد بكل قيمه لغناء المقام العراقي، لتصبح جهوده ونتاجاته رمزا تبلور ليكون طريقة فذة في الأداء المقامي، ونعني بها (الطريقة القبانچية).
علينا أن نعي ونفهم مدلولات الطريقة القندرچية والطرق الأخرى، والبحث عن الجوانب المتوقدة فيها، لننطلق منها انطلاقة جديدة، مع نفس الوعي والتفهم للطريقة القبانچية، المستفيدة من سابقيها، ومستفيدة من تجارب الشعوب حوالينا لبناء أصالة جديدة مستقاة من اصالتنا وهويتنا الحقيقية.
هكذا كان علينا أن ننتظر نتائج هذه التطورات والتغيرات والنتائج الأخرى لهذه الحداثة في حقبة التحول وشموخها في حقبة التجربة(هامش1) عند انتصاف القرن العشـرين التي اثمرت عن تطورات جديدة من التدفق الابداعي في غناء المقام العراقي، بكل قوة في نتاجات محمد القبانچي وبعض من أتباعه أو معاصريه الذين سمحت لهم (الطريقة القبانچية) بالظهور على مدى القرن العشـرين في توالد إبداعي ذاتي لهذه الطريقة التي أنجزها مغنون أمثال حسن خيوكة، ويوسف عمر، وناظم الغزالي، وعبد الرحمن العزاوي، وصدِّيقة الملاية، وسلطانة يوسف، وسليمة مراد، وحسين الاعظمي، ومائدة نزهت، وزهور حسين، وفريدة محمد علي، وسعد الاعظمي وقيس الاعظمي وطه غريب وصبحي البربوتي وخالد السامرائي وحامد السعدي ونمير ناظم وناظم شكر وحسين السعد وغيرهم الكثير.
هكذا أيضا نجد في نتاجات أبرز مغني هذه الدراما في الفترة الانتقالية(ثلاثينيات واربعينيات القرن العشرين) عبد الهادي البياتي، وحسن خيوكة، وسليم شبث، ومجيد رشيد، لإلقاء الضوء على بعض نتاجاتهم المتأثرة بالطريقتين الشهيرتين(القندرچية والقبانچية) وبعض الطرق الأخرى، التي جعلت من اداءاتهم واساليبهم تتصف بشـيء من الخصوصية ميّزتهم عن معاصريهم، ورغم انهم بدأوا مسيرتهم الغنائية منذ اواخر ثلاثينيات القرن العشرين، إلا انهم عاشوا الفترة الانتقالية بكل تفاصيلها وتأثروا بتفاعلاتها الدرامية وتميزوا بأساليبهم عن زملائهم المعاصرين، وكل ذلك يتجسد عندما نستمع إلى بعض تسجيلاتهم الصوتية كمقام البيات لعبد الهادي البياتي، في مطلع قصيدته المغناة:
(ألا ياليت شعري ما اقول/وقد ضنَّ الحبيب فما ينيل)
ومقام الدشت لحسن خيوكة بهذا المطلع:
(من عجيب قد اباحوا سقمي/معْ سهادي طول ليلٍ مظلم)
ومقام الراشدي لسليم شبث بهذا المطلع من شعر الزهيري (هامش2):
(ياراكباً بمشاحيف الهوى واجلة/ذاب القلب عن صدودك يا ترف واجلة)
ومقام الرست لمجيد رشيد والمطْلع من قصيدة المتنبي:
(لِعَينَيكِ ما يَلقى الفؤادُ وما لقي/وللحبِّ مالم يَبقَ منّي وما بَقي)
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
الهوامش
1 – هامش1: في كل كتاباتي المقامية، قمتُ بتقسيم القرن العشرين الى ثلاث حقب زمنية تسهيلاً لشرح ابعاد ما حدث من تطورات في اسلوب ومضامين الاداء المقامي خلال هذه الحقب. فالعقود الاولى من القرن اطلقت عليها حقبة التحول والعقود الوسطى من القرن اطلقت عليها حقبة التجربة والعقود الاخيرة من القرن اطلقت عليها بحقبة النضوح.
2 – هامش2: شعر الزهيري- الزهيري: نوع من أنواع الشعر الشعبي، يتكون من سبعة اشطر، الاشطر الثلاثة الأولى تنتهي بكلمة هي بمثابة القافية متفقة في اللفظ ومختلفة في المعنى(جِناس)، والاشطر الثلاثة الثانية تنتهي بكلمة أخرى جديدة متفقة في اللفظ ومختلفة في المعنى أيضا والشطر السابع ينتهي بنفس كلمة الاشطر الثلاثة الأولى وبمعنى جديد.

صورة واحدة / حسين الاعظمي في حديقة بيته الجديد في بغداد عام 1995.