حسين الاعظمي
يوميات حسين الاعظمي (1192)
المقام المصنوع (هامش1)
الحديث عن المقام المصنوع، ونقصد بذلك المقام العراقي المعد اعداداً فنياً مقنعاً موازناً بين حق الموسيقى في العمل الفني وحق الغناء في آن واحد ليمسي العمل الفني مرضياً من حيث القيمة الفنية والجمالية للنتاج، بعد ان كان الغناء متسيداً في جميع الاعمال الفنية تاركاً الموسيقى وهي ترافق هذه النتاجات بصورة تكاد تكون ثانوية..! ففي القرون الزمنية التي سبقت القرن العشرين، كان دور الغناء في الموسيقى والمقامات العراقية بارزا وفي مقدمة النتاجات الفنية المقامية، في حين كان دور الموسيقى المرافقة لهذه النتاجات الفنية المقامية ثانوياً نسبة الى تأكيد وعرض المادة الغنائية للمقامات العراقية بأصوات كل مغني تلك الحقب الزمنية. ولو استعرضنا التسجيلات المقامية الاولى بعد الابتكار العظيم لجهاز التسجيل الصوتي اواخر القرن التاسع عشر، التي تم تسجيلها في بدايات القرن العشرين، سنرى ان دور الموسيقى في هذه الاعمال مقتصرا على اختيار الطبقة الغنائية للمغني والمتابعة المستمرة للغناء طيلة غناء اي مقام عراقي..! ولكن التطور الثقافي والعلمي والصناعي والتكنولوجيا غيّرت الكثير من مثل هذه الحالات..! خاصة بعد إنشاء بعض المؤسسات الفنية الموسيقية التي فسحت المجال واسعا لظهور الحداثة الجديدة في الموسيقى العراقية بأجمل صورها في النصف الاول من القرن العشرين، التي تسيّدها مطرب العصور المقامية محمد القبانجي..! فبدأت التسجيلات الموسيقية والغنانية والمقامات العراقية تُعدُّ اعدادا موسيقيا جديدا، كتلحين المقدمات الموسيقية للاعمال الفنية، والحوارات المتوازنة للموسيقى مع الغناء. ليمسي دور الموسيقى دورا متوازنا ومتكافئا مع الغناء في كل التسجيلات التي تم اعدادها بأصوات جميع المغنين المقاميين منذ النصف الاول من القرن العشرين.
ولكي لايبقى الحديث والامثلة مقتصرة على الحداثة الفنية التي تسيّدها محمد القبانجي والمقامات التي اعدت له وسجلها بصوته، نأخذ مثلاً آخراً في مقام الرست المغنى بصوت المطرب المقامي الكبير حسن خيوكة. حيث يصور المطرب حسن خيوكة (1912-1962) الذي ولد في حقبة التحول(هامش2) وعاش حقبة التجربة(هامش3). التفاعل الذوقي لعموم الشعب العراقي، وهو يوضح بجلاء هذه الوحدوية الممتزجة ذوقيا لكل فئات الشعب عند سماع مثل هذه التعابير المقامية الصادقة، وهذا الاعداد الجميل لمقام الرست العراقي من قبل الفنان الكبير وديع خوندة، والتوازن الدقيق في اتحاد الموسيقى بالغناء..! مع مقامات اخرى خلفها لنا المطرب المقامي الرومانسي حسن خيوكة باسلوب تاريخي فني حقيقي، وهو يذهب الى ما هو ابعد من ذلك، حيث كانت مقاماته المسجلة بصوته من نتاجات المقامات التي اسميتها بـ(المقامات المصنوعة او المقام المصنوع) التي برزت في حقبة التجربة واعني بذلك، المقامات المعدة اعدادا غناسيقيا جديدا، ان كان ذلك من قبله او من قبل احد اعضاء الفرقة الموسيقية ممن يمتلكون رؤية فنية وذوقية مضافة. الا ان حسن خيوكة بوصفه احد ورثة الطرق الغنائية السابقة رغم ابداعاته المضافة. وبوصفه مغنيا متمكنا في الغناء المقامي. فانه يرى ويبين بتجسيد واضح، كيف تنصهر اذواق مختلفة من فئات الشعب في خط عام من الذوق والمتعة، وكيف اوضح بصراحة بأن الصدق في التعبير، هو السبيل الارجح، وهو العامل المشترك لعموم الاذواق، وهو الفرصة العظيمة لضمان الوصول الى حالة التطور والوعي بفنونا الغناسيقية. وبهذه الحالة يتكشف التفاعل الحقيقي بين الاعلى والادنى من ابناء الشعب الذين يؤلفون مجموع الحياة الشعبية.
ان صور الجمال والذوق للحياة الشعبية، تُرسم تماما بذات الطريقة التي تُرسم وتُصاغ بها المقامات العراقية بنجاح في نواحيها الفنية والتعبيرية، ومن المسلّم به ان مغني هذه المقامات العراقية هم الابطال الحقيقيون لقيادة نتاجاتهم المقامية الناجحة.
ونرى بوضوح ان لمسات من هذا القبيل من التعابير، تظهر بوضوح بالغ، مزج المغنين الكبار ما بين الروح الشعبية والتعبير عن العراقة التاريخية لمادة غنائهم(المقام العراقي) واليك عزيزي القارىء القصيدة الصوفية للشيخ علي سبط الصوفي الكبير عمر ابن الفارض التي يغنيها حسن خيوكة في مقام الرست بجمال خلاب واعداد موسيقي مصنوع وجميل.
(نشرت في موكب العشاق اعلامــي / وكان قبلي بلي في الحب اعلامــي)
(وسرت فيه ولم ابرح بـــــدولتـــــه / حتى وجدت ملوك العشق خدامــي)
(لقد رماني هواكم في الغــــرام الـى / مقام حب شريف شامخ سامــــي)
(قضيت فيه الى حين انقـضى اجـلي/سهري ودهري وساعاتي واعوامي)
(يا سائقا عيسى احبابي عسى مهلا / وسر رويدا فقلبي بين انعامـــي)
(سلكت كـــــــل مقام في محبـــــتكم / وما تــــركت مقاما قط قدامـــــي)
(ان كان منزلتي في الحــب عنــدكم / ما قد رايت فقد ضيعت ايامــــي)
ولدى المغنين الكبار، يكون هذا النجاح ظاهرا دائما باسلوب حاذق، وهكذا تصبح نتاجاتهم المقامية على مستوى ادائي فني عال، ويبدو ان لسان حال اهدافهم في تصوير الازمات الذوقية والجمالية في حياة الشعب، هو اظهار الوجود الانساني الذي يكون مطلقا من عقاله في ممثليه المهمّين من المغنّين المقاميين من هذا النوع الشامل في امكانياتهم ومستوياتهم.
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
اضغط على الرابط
حسن خيوكة مقام الرست جزء 1 و 2
https://www.youtube.com/watch?v=iCIQG78SQwE
https://www.youtube.com/watch?v=5yS8Eq-fZck
هوامش
1 – هامش1: منقول من كتابي الموسوم بـ (الطريقة الزيدانية في المقام العراقي واتباعها) الصادر في بيروت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2013، ص 120 و 121.
2 – هامش2: حقبة التحول تقع زمنيا في الثلث الاول من القرن العشرين.
3 – هامش3: حقبة التجربة تقع زمنيا في الثلث الثاني من القرن العشرين.

مطرب المقام العراقي الرومانسي حسن خيوكة.
حسين الاعظمي يغني بالمونبليه في فرنسا شباط 8 /2 /1985 في مهرجان ايام الموسيقى العربية لدول المشرق العربي.