يعكوب ابونا
الاشوريون في التاريخ- الحلقة الثامنة
يعكوب ابونا
من لا يقرأ التاريخ جيداً يبقى طفلاً طوال عمره ..... شيشرون
كان الارتباط السياسي بالنسبة للآشوريين، واضحاً في الخضوع لسيطرة أسرة أور الثالثة، (2112 – 2004 ) قبل الميلاد، والتي ما إن بدأ سلطان اور بالزوال، فما كان من الملك بوزور آشور الأول الا السعي لإعلان الاستقلال والعمل على تأسيس الحكم الآشوري خلال العام 2012 ق.م، ليبدأ التحرك نحو مناطق الحوض الجنوبي من وادي الرافدين.
ويذكر ماتفييف واسارونوف في كتابهم حضارة ما بين النهرين ص 74، كما استغل العموريون اسر الملك "ابن -سين" اخر ملوك سلالة اور الثالثة سنة 2007 قبل الميلاد/ فبداوا هجومهم على سومر واخضاعها لسطتهم كليا، ولكن لم تبد الثقافة السومرية، بل اصبحت جزا لا يتجز من ثقافة البابليين والاشوريين ومن خلالهم دخلت ثقافات الشعوب الاخرى، انتهى الاقتباس
من هم الاشوريين ؟؟
اختلفت الاراء في نسبهم، واسمهم، يقول طه باقر في كتابه مقدمة في التاريخ، ص 164 من المؤرخين من يقول بانهم سموا انفسهم بهذا الاسم كناية باسم الههم القومي "اشور" ومنهم من يقول بانهم اطلقوا هذا الاسم نسبة الى جدهم الاكبر "اشور السنعاري"، اما البرفيسور راخوزين في كتابه اشور يقول ان الاسم اشور مشتق من الارض التي سكنونها، اذ ان ما تعنيه هو كثرة المياه او الارض المسقية". وعن حاشية من ص 164 من كتابه طه باقر انف الذكر يذكر بنيامين ارسانس ص 3 من كتابه سقوط المملكة الاشورية، يقول ان اشور او أشر هي الرحمن، او الجبار، ومن المحتمل ان، لها معاني الاخرى .بان تكون من اصل سومري كما جاء ذلك في بعض النصوص القديمة..
وهناك من ذهب الى القول قد تكون تسمية بلاد آشور على اسم عاصمتها الأولى مدينة آشور. و"هي مدينة شرقاط الحالية" كانت قد سميت على اسم إلهها الراعي «آشور». قبل ظهور دولة مدينة آشور، والتي يشار إليها بعد ذلك باسم «آشورايو». و«أشور» بعدها اطلقت التسمية على المنطقة الجغرافية الوطن الآشوري، أي ما يعادل أراضي الإمبراطورية الآشورية.
فاسم اشور بدأ لقرية صغيرة ثم صارت مقرا لمعبد اله اشور فارتبط اسمها بقدسية الاله اشور، ثم اخذ الاسم لشعب برمته الشعب الاشوري، واخذ الاسم الدولة والامبراطورية الاشورية، ونفهم من ناحية اخرى بان يكون لهذا الاسم دلالة تعبيرية عن بعد المعنى عن اله اشور الذي يعنى في اللغة الاشورية - البدايـة - اشتقاقا بما ورد في الاصحاح الثاني من سفر التكوين العهد القديم، اذ كانت بداية الحياة (الخليقة) في جنة عدن التي هي موطن اشور،
ووفق لهذا الاشتقاق ورغم اختلاف الاراء في اسمهم وتسميتهم، الا ان الغالبية العظمى من الكتاب والباحثين يؤكدون الى ان نسبهم سامي، اي "ساميين" ..
ومن هنا يكون الربط الجدلي بين دلالة الاسم ومعناه، لانه وكما هو المعروف بان التسمية السامية تنسب الى ما ورد في الكتاب المقدس العهد القديم الاصحاح العاشر: 1- 22 "بنو نوح هم سام وحام ويافت وولد لهم بنون بعد الطوفان ..... وبعد ان يذكر الكتاب اسماء ذرية كل من حام ويافت، ياتي الى ابناء سام ويقول "بنو سام عيلام واشور وارفكشاد ولود وارام". هؤلاء ولكونهم ابناء سام وذريته لقبوا بالساميين...
لذلك لا نجد اي علاقة للآشوريون بالاقوام الجزرية القديمة التي كانت تقطن شبه الجزيرة العربية، كما يعتقد البعض بانها هاجرت منها إلى بوادي الشام والعراق، ويعتقدون بان هذا كان في الالف الثالث قبل الميلاد ثم قدموا إلى موطنهم الذي عرف ببلاد آشور... ومن الراجح ان الآشوريين كانوا يستقرون في اعالي الفرات عند أطراف الباليخ..
يذكر جورج رو ص 255 من كتابه العراق القديم "كان تاسيس المملكة الاشورية وارتقاؤها الى قوة عسكرية وسياسية عظيمة حدثا كبيرا في فترة غنية بالتطورات الجديدة، ويضيف تقع مدينة اشور " او "أش - شور" وموقعها ستراتيجي منيع حيث شيدت فوق تلة تطل على نهر دجلة في اعلى النقطة التي يدخل فيها النهر منطقة الفتحة مخترقا جبال حمرين، ولقد تكفل النهر الكبير بحمايتها من جهة واحدى القنوات من الجهة الثانية، كما امتازت تحصيناتها بالمتانة، فسيطرت بذلك على الطريق الذي يصل بلاد سومر واكد بشمال الرافدين، ومنطقة الجزيرة العليا،
وعليه ينسب الآشوريون باسمهم إلى اول مراكزهم الحضارية في مدينة آشور التي اصبحت عاصمة لهم وقد يكون الاسم نسبة إلى إلههم القومي "آشور".
كما يذكر فؤاد سفر في كتابه اشور ص 2 و13، قد وردت كلمة آشور في النصوص المسمارية بعدة صيغ منها (آ-أوسار A-Usar) التي تبدو وكأنها كتابة سومرية رمزية، ولكن الكتابة المألوفة الاخرى كانت بهيئة (آ-آشور A-Šur) تتبعها العلامة المسمارية الدالة على اسماء الاماكن وهي (كي Ki)، واقدم ما ورد من هذه الصيغة كان في النصوص الاكدية من مدينة (نوزي NUZI) (كاسور Gasur) القديمة.
وترد التسمية من العصر الآشوري القديم من عهد الملك (شمشي-أدد الاول Šamši-Adad I) والذي حكم (1813-1781ق.م) بصيغتين هما (أو-سار كي U-SARki و(أ-شو-أور-كيA-ŠU-URki).
هذا ما يذكره عامر سليمان ص 143 من كتابه تاريخ العراق القديم، وهنالك قراءة ثالثة وردت بالصيغة السومرية التالية A.SIR. KI)).
وترد التسمية من العصر الآشوري الوسيط من عهد الملك (آشور أوبالط الاول Aššur-uballit I) الذي حكم (1365-1330 ق.م) بالصيغة المتعارف عليها(أش- شورAš-šur).
وورد مصطلح آشور في المصادر الآرامية والعربية المتأخرة على هيئة "أفور أو أقور"..
لقد استعمل المؤرخ اليوناني الشهير "هيرودتس" القرن الخامس قبل الميلاد مصطلح بلاد آشور(Assyria)
كما يذكر طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات، ج1، ص79. .
كان القسم الشمالي من العراق القديم قبل الالف الثالث قبل الميلاد، يطلق عليه اسم (سوبارتو Subartu) نسبتاً إلى القوم الذين استوطنوا هذا الجزء من شمال العراق، الذين كانوا يعرفون باسم (السوباريين Subarian)، والمرجح ان الاشوريين قضوا على اولئك السوباريين وازاحوا جماعات اخرى منهم إلى سفوح الجبال والمناطق الجبلية المجاورة واندمج من بقى منهم مع الاشوريين وكان موطن السوباريين يشمل كذلك الاجزاء الشرقية والشمالية من نهر دجلة. وان البابليين كانوا ينظرون الى هؤلاء "السوباريين" بنظرة شائنة لانهم طالما جلبوا العبيد منها. وان الاشوريين كانوا ينظرون اليهم نظرة عداء.
وقد استعمل مصطلح "سوبارتو وبلاد سوبارتو" في كثير من النصوص التاريخية البابلية مرادفاً لبلاد آشور، وقد نأى الاشوريين بعيداً عن كلمة سوبارتو كتسمية لبلادهم ...
بعد هذه المقدمة توصلنا الى معرفة اصل تسمية الأشوريين بالساميين، قبل قيام دولتهم وتأسيس امبراطوريتهم, ولكي نتوصل الى معرفة اصلهم وموطن نزوحهم، علينا ان. نرجع الى ما جاء بالاصحاح العاشر: 10 -12 "من العهد القديم" وكان ابتدأ مملكته بابل واروك واكد وكلنه في ارض شنعار، من تلك الارض خرج اشور وبنى نينوى ورحوبوت عبر كالح ورسن بين نينوى وكالح وهي المدينة الكبيرة" ..وهكذا يكون اشور ابو الاشوريين قد خرج من بابل، وسكن الارض التي سميت باسمهم ارض اشور،..
ويذكر عزيز برخو عزيز ص 12 من كتابه الاشوريون، سكن الاشوريون في ارض اشور فكانوا يسمونها "ماتا داشور" ولكن بعد استطيانهم هناك كانوا هدفا للغزوات وهجمات القبائل الهمجية الرحل منهم:
السميريين (Cimmerians)
والسكينيين ( Soythians
الاراميين (Aramians)
المعروفين بالغربيين والاموريين ( Amories
والكاشيين Kasites
والحثيين Hittites
والعيلاميين (Eamites)
وغيرهم والميتانيين Mitannians
وكان دفاع الاشوريين ومقاومتهم لهذه الموجات صراعاً من اجل البقاء في ارضهم فجعلهم اقياء يتقنون فنون الحرب والدفاع عن انفسهم، كما كان لمناخ بلاد اشور القارس شتاء والحار صيفا دور بان تكسب ابدانهم مناعة وحيوية فريدة. فتاثرت ثقافتهم بهذه الاجواء مجتمعه، فنجد قوانينهم صارمه وقاسية، افرضتها عليهم بيئتهم والظروف المحيطة بهم..
لذلك نجد غالبية المكتشفات الاثرية في بلاد اشور والمدونات الملكية التاريخية تتحدث عن المعارك والحروب التي خاضها الملوك الاشوريين. وقد كان بناء قواعـد الدولة الاشورية على اساس حربي متين، حيث تعلم الاشوريون من الحروب المستمرة كيف يحمون حدودهم من الهجمات التي كانت تشن على بلادهم بين الحين والاخر،
. فكانوا من الاوائل الذين استعملوا الخيل والعجلات لاغراض عسكريـــــــة فاصبحوا اعظم قوة حربية ضاربة في ذلك الوقت، والى جانب هذا كانت بلادهم مزدهرة بالتجارة والعلاقات مع جيرانهم ، حيث كانت قوافل تجارتهم تمتد الى بلدان مختلفه ومنها اسيا الصـغــرى.
والان نتحدث عن السرد التاريخي للمرحلة ما بعد ان نالت مدينة آشور استقلالها اثر سقوط الامبراطورية السومرية مثل العديد من المدن غيرها، يقول جورج رو ص 256 من كتابه العراق القديم فيستهل « بُزرُ - آشور » الأول – الذي يجب ان يكون قد حكم في حوالي عام ( ۲۰۰۰ق. م) - خطاً جديدا من الملوك ممن يحملون أسماء أكدية أصيلة نحو: «سرجون» او "نرام – سن" ولقد خلف ملكان منهم "ايليوشوما" و "أريشوم الاول" وهناك مدونات تشير إلى أنهما قد شيدا معابد للالهة "اشور" و"ادد" و"عشتار" في المدينة، وبالإضافة إلى ماسبق، فان الملك "ايليوشوما" الاول يعرف بكونه قد توغل عميقا في جنوب العراق خلال عهد حكم "اشمي – داكان" لولاية إيسن (1953 – 1935 ق. م) وربما كانت هذه هي الفترة التي تم خلالها توسيع رقعة المملكة الجديدة لتشمل مدينة نينوى التي تبعد مسافة ستين میلا شمال "آشور"، غير ان الساميين الغربيين، الذين تدفقوا بأعداد هائلة صوب شمال العراق خلال القرون الاولى للالف الثاني ق. م، كما فعلوا في الجنوب، فقد نصب رئيس احدى القبائل الامورية – واسمه "هاله" خيام قبيلته في مكان ما بين نهر الخابور ودجلة، وحكم خلفاءه تحت حماية الملوك الاكديين، على اشور، حتى قام احدهم وهو "ايلا – كبكابو" بالاستقلال بالمدينة واعتلاء عرشها، وفي نفس الوقت اصبح قائد اموري "اياجد – ليم" على مدينة ماري الواقعة على الفرات. فتبادلا "ايمانا موثقة" الا ان تلك الصداقة انفرط عقدها، فبداءة الاشتباكات بين هاتين المملكتين الشماليتين مع بعضهما، ولكن عندما اغتيل "اياحدون – ليم" من قبل خدمه، فما كان من جانب الاشوريين الا ان ينتهزوا الفرصة لوضع ايديهم على ماري، فالحق ماري باشور، "شمشي – ادد الاول" 1814 – 1782 قبل الميلاد" . فوضع ابنه "يسمح – ادد" ملكا على ماري، وابنه الاخر "اشمي – داكان" نائبا له على اكلاطوم" (هي مدينة لم يشخص موقعها لحد الان ولكن يعتقد بانها تقع في وادي دجلة الاوسط وكانت تابعه الى اشنونا) ..
وتوجه شمشي ادد الى اشور واختطف صولجان الحكم من ايدي اخيه "امينو" الذي كان قد خلف الملك "ايلا – كبكابو" على حكم اشور.
فاحكموا الاشوريين السيطرة على دجلة والفرات وكامل شمال وادي الرافدين، فكانوا اقوياء في حوض دجلة والفرات بما يكفي للجم طموحات "اشنونا"
ولقد ذكرنا انفا بان وفاة شمشي ادد في السنة السابعة من حكم حمورابي " 1786 قبل الميلاد" تاركان العرش لابنه اشمي داكان، وابنه "يسمح – ادد" واليا لماري، الا ان اطيح كما ذكرنا انفا، بيسمح - ادد من قبل امير ماري "زمري ليم" ..
ولكن ليس هناك ما يشير الى ان اخوه "اشمي – داكان" قد حاول انتقاما له من زمري ليم، فحكم اشمي داكان بعد وفاة والده 1782 – 1741 ق. م فورث حكم اشور، ولكن واجه ضغوطات كبيرة من حمورابي وخصوم اخر، فتقلص نفوذه، وكانت سلطته اضعف بكثير من سلطة والده شمشي ادد الاول،
اما اخوه يسمح - ادد حاكم ماري، الذي لم يكن والده شمشي ادد راضيا عليه لضعفه وقلة كفاءته ومقدرته على ادارة شؤون البلد، قد تم طرده من ماري بعد استلاء زمري ليم عليها، واختفى عن المشهد السياسي ولم يعرف عنه هل قتل ام هرب؟؟.
توفى اشمي – داكان، سنة 1741 ق. م فخلفه ابنه "موت اشكور" على عرش اشور، فكان مقارنه باسلافه ضعيفا، كما جاؤا من بعده ملوك مثله ضعفاء، لا دور لهم ولاجوله ولا صولة،
هنا تكون المرحلة الاولى او العهد الاشوري الاول الذي بدأ من حوالي عام2100 الى 1530 ق.م ، قد انتهى، ولكن يجب ان نعرف وكما لاحظنا منذ بدء نهوضهم سياسيا تعرضوا لتقلبات عديدة حتى نهاية حكم الدولة البابلية الاولى. "وهناك ضرورة ان نوضح بان هذا التاريخ هو تاريخ قيام الدولة الاشورية، وليس تاريخ الشعب الاشوري لان وجود الشعب الاشوري يسبق هذا التاريخ بما لايقل عن الفين سنة"
في الحلقة القادمة سناتي بالحديث الى العهد الاشوري الوسيط.
(2) عصر الدولة الاشورية (العهد الاشوري البسيط): ويبدأ من عام 1530ق.م, عند تخلصهم من حكم الدولة البابلية الاولى الى عام 911ق.م.
(3) عصر الامبراطورية او (العهد الاشوري الحديث): وينقسم بدوره الى قسمين:
(أ) الامبراطورية الاشورية الاولى: وتشمل الفترة من عام 911الى 745 ق.م, تقريبا.
(ب) الامبراطورية الاشورية الثانية: وتمتد من عام 745الى 612 ق.م تقريبا... .
الى هناك في الحلقة القادمة .. بعون الله ............
يعكوب ابونا ............ 1/9/2025