
الدور المؤثر والفعال للحركة الصهيونية في بناء وتوجهات الدولة التركية
د. هاشم عبود الموسوي
تشير المصادر التركية الى أنه كان هنالك دور كبير لليهود الصهاينة الأتراك في بناء الجمهورية التركية الحديثة ( الأتاتوركية ) على أسس عنصرية طورانية ، إستلهموا أغلب أسسها الأيديولوجية من نزعة التعالي والتعصب اليهودية ، والتي من مبادئ الصهاينة وكتبهم الدينية المقدسة .
وفي تركيا بدأ العالم اليهودي "قراصو " و " إبراهيم غالايتي " و "موئيز كوهين " في التسلل الى جمعية " الأتحاد و الترقي " ووضع القواعد الفكرية المتمثلة في ترسيخ التيار الطوراني في الجمعية . وأهم شخصية صهيونية لعبت دورا أساسيا في تأسيس التيار الطوراني أو النظرية العنصرية لتركيا بعد سقوط الدولة العثمانية هو " اليهودي "موئيز كوهين " .
وقد كتب "موئيز كوهين " أيضا تحت أسم مستعار "تكين ألب " وأحيانا " مؤنس ألب " . وتضمن كتابه الأول أسس اليقظة القومية للأتراك ، وأسس الوحدة القومية على أسس الطورانية بين تركيا و الشعوب الناطقة باللغة التركية في أذربيجان والقوقاز ، وتناول كوهين أسباب فشل الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وإعتبر السبب الأساسي للفشل و الإنهيار هو ضعف الشعور العنصري . و يستوحي بناء دولة تستند على الوحدة العنصرية للأتراك والقوميات الناطقة بالتركية . كما خصص فصلا خاصا عن الشباب الأترك ودورهم في اليقظة العنصرية التركية ، والإهتمام بالشباب الأتراك خصوصا ، الذين فقدوا الآباء والأمهات نتيجة الحرب ، وتربيتهم على أسس عنصرية حديثة ، حسب تعبير " كوهين " , ويقول أيضا في كتابه " من اللازم أن يتحد جميع الأتراك في سبيل سمو الجنس التركي ، وحتى نخلق حضارة جديدة ، يجب تأمين وحدة العنصر التركي على أسس طورانية".
نشر موئيز كوهين كتابه الثاني " الطورانية " عام 1914 . عرّف فيه القومية التركية و وضع أهداف الطورانية و ترجمها الى اللغتين الفرنسية والأنكليزية وقال بصدد الموضوع " أن تعبير طوران ليس تعبيرا سياسيا وإنما هو إسم جغرافي لبقعة من العالم يعيش عليها شعب ذو مواصفات خاصة وله عرق أفضل من أعراق الشعوب الموجودة مثل العرب و الأكراد و الجورجيين و الأوكرانيين ... ولو نقلت الفكرة بشكل عبقري فإن الطورانية ستكون عقيدة هذا الشعب في المستقبل " ويضيف : " إن ذلك سيؤدي الى إنهيار روسيا المجرمة وسيرفع الأتراك التاج الذهبي لجدهم " جنكيز خان " فوق رؤوسهم الملتهبة بالفكر الطوراني . إن طوران أكبر من الأناضول بعشرات المرات . إلا أنها تعيش تحت مخلب الصين وحذاء الروس ، طوران أسيرة ووحيدة ومضطهدة ومهانة !! إن أكبر إذلال للقومية التركية في ترك طوران على هذا الشكل المأساوي" . كما كتب كوهين : من المؤسف أن تكون طوران ذليلة ، والشعوب الأخرى الساقطة هي السيدة ، تلك التي خلقها الله لكي تكون جنودا أقزام تحت راية " جنكيز خان العظيم" .
كان لكتاب " الطورانية " لمؤلفه الصهيوني كوهين التأثير الفعال في ضباط الاتحاد والترقي مثل " جمال باشا وانور باشا " الذين اهاجتهما الفكرة الطورانية , واصر انور باشا على جميع الضباط والجنود قراءته وان يكون منهجا دراسيا لكليات الأركان والحرب .
اما الكتاب الثالث لكوهين فقد صدر في اسطنبول عام 1928 وهو عبارة عن 12 مقالا ركز فيه على ان مسالة تتريك العناصر غير التركية ويتناول في فصوله العديدة مهمة التتريك , وقواعد التتريك , وقاية التتريك , وفائدة التتريك .. ثم يقول سائلا : "من هو التركي " ؟ وباجابة سريعة يقول : " التركي هو الذي يعيش ارض طوران المقدسة " .
وفي كتابه ( الكمالية )الذي أصدره عام 1936 وترجم الى عدة لغات , مثل الفرنسية والروسية والتشيكية والانكليزية والالمانية .. يقول كوهين : ( ان الشيئ الذي يمثل الكمالية ليس اسطورة كما حدث في الماضي للفكرة القومية , بل يمثلها انسان من لحم وعظام , ويمتلك ديناميكية وحيوية ولا نظير لهما , ليس بانسان فقط بل انه فوق الانسان ) وهو يقصد بذلك ( كمال اتاتورك ) مؤسس تركية الحديثة ).
ويقدر عدد الكتب التي كتبت في العالم عن اتاتورك اكبر بكثير جدا من كل الكتب التي كتبت عن ( جورج واشنطن ) . إنخدع الكثير من الساسة والمثقفين في الوطن العربي بهذه الدعاية القوية وتحت هذا التأثير صدرت جريدة " ترك " في القاهرة كمركز للتيار القومي الطوراني الذي مثله " يوسف اغلو " , بهدف تطوير الدولة العثمانية القائمة على أساس ديني إسلامي , لخدمة مصالح يهود الدونمة من جهة , وبناء دولة عنصرية طورانية على تخوم البلاد العربية من جهة ثانية .
وهناك وثيقة لاتاتورك ضد الاسلام , تم نشرها في صحيفة " النقطة " التركية في( 17 تشرين الثاني نوفمبر 1985 ) , شكلت حينها حدثا مهما يكشف بصورة واضحة توجهات الدولة العثمانية الطورانية منذ بداية تأسيسها وحتى الآن , وخصوصا ماقاله اتاتورك في حق الاسلام , وفي حق النبي العربي محمد ( ص ) , وما طالب ويطالب به اتباعه من الطورانيين في تحقير الاسلام , اسوة بتحقير الديانة المسيحية , كما ان الاعتداء على ( السريان ) وكنائسهم لم يتوقف حتى هذا الفترة في المناطق التابعة لتركيا حاليا . وكان آخر هذه الاعتداءات على كنيسة شربل ودير مارهابيل ومار ابروهوم في منطقة " مديات " في كانون الاول ديسمبر 1996 وكانون الثاني / يناير 1997 , حيث كانت القضية واضحة عند أتاتورك وبسيطة كذلك : " ان كل ما نعاني منه هو بسبب القيم والافكار الاسلامية . " " ان طرق الخلاص هو في طرح هذه الافكار جانبا وفي اتباع الغرب " .. لم يتوقف سلوك اتاتورك عند تحقير الدين الاسلامي فقط , بل طاول كل ما يمت للعروبة بصلة كجنس او لغة , إذ يقول في هذا الاتجاه : " كانت توجد عناصر عدة داخل حدود الامبراطورية العثمانية السابقة , وكان العنصر العربي احد هذه العناصر , اما الان فلا يوجد عنصر عربي داخل حدود القومية " . وهذه الكلام يتطابق مع ماقاله في "الوثيقة " " ونحن اذ نقوم بتاسيس جمهوريتنا فلسنا بحاجة الى اشخاص قوميين وعنصريين , عربا كانوا او مسلمين على مذهب محمد " .
مصادر الدراسة :
1 – العرب والفرات بين تركيا واسرائيل . عائدة العلي سري الدين . دار الافاق الجديدة – بيروت ‘ ط 1 ‘ 1997 .
2 – الطورانية التركية بين الاصولية والفاشية . جهاد صالح . دار الصداقة ‘ بيروت . ط1
1987
3 – تركيا : بوابة استراتيجية للامبريالية العالمية . نديم البدكين . الحقيقة برس . ط1 1987 .
4 – الصراع السياسي في تركيا : الاحزاب السياسية والجيش . فلادمير دان لوف . ترجمة يوسف الجهماني . دار حوران . دمشق ‘ ط1 1998 .
5 – حزب الرفاه : الرهان على السلطة . الاسلام السياسي الجديد . يوسف الجهماني . دار حوران . دمشق . ط1 – 1997 .
6 – سارة : المراة التي هدمت الامبراطورية العثمانية . لطفي اكدوهان . ترجمة دار طلاس . دمشق . ط1 1995 .
7 – اليهود في البلدان الاسلامية ( 1850 – 1950 ) . تحرير : صموئيل اتينجر . ترجمة : د . جمال احمد الرفاعي . عالم المعرفة ‘ العدد 197 ‘ 1995 .
8 – مصطفى كمال " الذئب الاغبر " . ه . س . ارمسترونغ . سلسلة دار الهلال المصرية . القاهرة ‘ العدد 16 يوليو 1952 .
9 – الشرق الاوسط الجديد / شمعون بريز . ترجمة : محمد حلمي عبد الحليم . الاهلية للنشر والتوزيع . عمان . ط1 1994 .
10 – سجنجق الاسكندرون ( هاتاي ) . دراسة في العلاقات الفرنسية – التركية – السورية . افاريس . ك . سانجيان . طبع باشراف مركز دراسات والابحاث العسكرية . دمشق . 1980 .