د. عدنان الظاهر
وداعاً نينَوى- رواية للدكتور زهدي الداوودي
د. عدنان الظاهر
نيسان 2005
[مطبوعات مؤسسة الشَفَق الثقافية/ كركوك. التسلسل: 3 . الطبعة الأولى 2004]
مقدِّمة: كتب ونشر الدكتور زهدي الداوودي روايته "وداعاً نينوى" بعد تمكنه من الإفلات من جحيم نظام الحكم السابق في العراق آوائل عام 1979. كتبها أصلاً باللغة العربية ثم قام بترجمتها إلى الألمانية، اللغة التي أكمل بها دراساته الجامعية الأولية والعليا. تلخّص هذه الرواية (112 صفحة) مأساة العراق خلال فترة محددة من حكم حزب البعث العربي الإشتراكي، الفترة التي أعني هي تلك الممتدة ما بين عامي 1971 و1979. الرواية ترسم لوحات دقيقة لما كان يعانيه العراقيون عامةً وأساتذة الجامعات العراقية وباقي درجات التعليم بشكل خاص من صنوف الإبتزاز والضغط والإرهاب ثم الإعتقال فالتعذيب الوحشي في أقبية دوائر الأمن حتى ليجد المواطن والأستاذ نفسه بين خيارات محددة وعليه أن يختار واحداً منها لا أكثر :
الإغتيال، كما حصل للدكتور عبد الرزاق.
الإنتماء إلى حزب البعث الحاكم إبتزازاً وتحت التهديد بالقتل، كما هي حالة الدكتور خليل.
التعذيب الوحشي وإنتهاك الحرمات والإعتداء الجنسي ثم قهر المعذَّب على التعهد بنبذ السياسة وعدم الإنتماء إلى أي حزب سياسي آخر (أي كتابة براءة)…حالة الدكتور مهدي.
4- تدبير حالة هروب من العراق بهذه الوسيلة أو تلك، عن هذا الطريق أو ذاك، كما فعل الكثيرون عام 1978 بشكل خاص. أو اللجوء إلى كردستان العراق وحمل السلاح لقتال العدو البعثي مع حركة الأنصار. الراوي والشاهد الدكتور صالح لم يترك العراق عام 1978 (لأسبابه الخاصة التي شرحها لي تلفونياً)، لكنه تركه في بداية العطلة الربيعية أوائل عام 1979. إنه يمثل إستثناءً خاصاً ولكنه ليس الإستثناء الوحيد.
هذه هي الخيارات التي كانت متاحة أمام المواطن العراقي، فأية مواطنة وأي وطن وأي نظام حكم هذا الذي حكم العراق خمسةً وثلاثين عاماً (تموز 1968 ـ نيسان 2003 ) ؟
تابع الروائي مشاهد المأساة متابعة المثقف وعالم التأريخ والكاتب الأديب الحامل لعقيدة سياسية لا يرتاح لها ومنها البعثيون. تابعها وعايشها معايشة يومية إذ كان خلال إحدى حلقات تلكم الحقبة أُستاذاً للتأريخ في واحدة من كليات جامعة الموصل شمال العراق. باشر وظيفته الجامعية في شهر أكتوبر 1976 وتركها وترك العراق في نهاية شهركانون الثاني عام 1979 فارّاً بجلده من تعسف وطغيان نظام لا مثيلَ له في الزمن المعاصر: نظام التهجير والتبعيث والتعريب ثم الحروب والغزو والسموم والإغتيالات والأسلحة الكيميائية. ثلاث سنوات كانت أكثر من كافية لرصد نوايا ومخططات وتحركات عناصر النظام المتوحش الغارق في ظلام الجهالة والسادية الدموية والحقد على الإنسان العراقي النظيف والشريف. ترك الدكتور زهدي العراق بداية عام 1979 ليسمع العالم في شهر تموز من ذلك العام أنباء المجزرة الرهيبة التي نفذها صدام حسين بحق بعض رفاقه في قيادات الحزب الحاكم بعد أن خلع الرئيس أحمد حسن البكر في تمثيلية شاهدها العراقيون على شاشات التلفزيون.
رمز جهاز الرونيو
أبدع المؤلف إذ إفتتح السرد الروائي بالحركة : بداية كل شيء في الحياة والكون والوجود منذ الأزل. إستهل الرواية بحركة جهاز الرونيو الذي يُستخدم عادةً لسحب العديد من نسخ الأسئلة الإمتحانية. وفي الإمتحان يُكرم المرء أو يُهان.كما يستخدم هذا الجهاز في الكثير من دوائر الدولة. الإنسان يسيطر ويحرك هذا الجهاز، يبدأه ويوقفه متى ما يشاء. الجهاز يدور فتدور الحياة معه ومع كل دورة يستلم الأستاذ نسخة جديدة من أوراق الأسئلة الإمتحانية. عملية خلق أساسها الحركة التي لا تقوم إلاّ بيد الإنسان. الجهاز خادم الإنسان وعبده. الجهاز العبد يقوم بدوره بتطوير قدرات ووعي هذا الإنسان. أي إنه يستعبده في نهاية المطاف إستعباد تطوير لا تخلف. تكتمل الدورة، تماماً كإكتمال دورات جهاز الرونيو إياه ولكن، يخرج من هذه الدورات إنسانٌ آخر لا بشكله وجسده ولكن، بوعيه وقدراته على الخلق والتطوير. أقرأ في توظيف الكاتب لجهاز الرونيو حكمة فيلسوف : في حركته خلق وتطور مضادان لحركة ماكنة وأجهزة وآليات حكم نظام البعث التي هي ليست سوى حركة موت ودمار وتخلّف. دورات هذا النظام إلى الخلف لا إلى أمام. إنه يعاكس حركة التأريخ وسياق الزمن وسمات العصر الحديث. فلا غرابة إذا ما آل العراق وأهل العراق إلى المصير الذي نرى في هذه الأيام. دارت الدورة فإذا بمن كان يسمّي نفسه بالقائد الضرورة وأمل العرب يعجز عن الصمود والدفاع عن عاصمته فيطمر نفسه في حفرة تحت الأرض لا تختلف عن حفر ومجاري المياه الآسنة. هذا هو مآل الحركة المرتدة إلى الخلف، لا تجد لها نهاية إلاّ في الحفر وأوجار الثعالب والذؤبان.
الحياة تدور والأجهزة تدور وماكنة الإرهاب البعثي الدموية كذلك تدور لا لتطوير المواطن العراقي ولكن لسحق عظامه ووأد إنسانيته وتشويه سويته ومسخ طبيعته البشرية.
الجهاز يدور والزمن يدور فلا ثبات لشيء في الحياة ولا دوام لنظام البعث وحزبه.
رشّودي والثامن من شباط 1963
في أوج محنته وبقية زملائه من الأساتذة مع بعث السبعينيات، لم ينسَ الدكتور صالح (د. زهدي الداوودي) كارثة إنقلاب البعثيين الأول في شهر شباط 1963. كيف ينسى شباط الدموي وكان هو أحد ضحاياه إذ تنقّل بين سجون الإنقلابيين في الرمادي وسواها من المدن العراقية. إذا أبدع الراوي في ذكر جهاز الرونيو في مطلع روايته فإنه أضاف إبداعاً آخر إذ قدّمَ "رشّودي" للقاريء ودمج مأساته في نسيج روايته لأنَّ هذا الإنسان البائس كان هو الآخر أحد ضحايا وحوش البعثيين وضباعهم الدموية إذ أودع سجن الرمادي إثر إنقلاب شباط 1963 وتعرض لشتى صنوف التعذيب حتى فقد صوابه وإنهارت قواه العصبية فأُصيب بالجنون. كان رشودي معلماً في زمن عبد الكريم قاسم. إذن فهو زميل للدكتور صالح في السجن وفي مهنة التعليم. ما العِبرة في شخوص رشودي بين أحداث الرواية ؟ في هذا الشخوص أكثر من عِبرة:
أولا : فيه إحتجاج صارخ على جور وهمجية نظام الحزب الحاكم يومذاك. الحزب ذاته الذي عذبه عام 1963 حتى أوصله إلى حالة الجنون. شاهد حي متحرك يفضح جلاديه وجلادي العراق ويوقظ الضمائر ويهيب بالبشر الأسوياء أن لا يناموا رَغَداً وأن لا يخدعهم نظام حزب البعث.
ثانياً : نقرأ في العِبرة الأخرى مغزى إنسانياً ونضالياً بليغاً آيته أن الإنسان الحقيقي يخسر كل شيء عزيز ولا يسقط معترفاً أو منتمياً بالإكراه أو متبرئاً من حزبه وعقيدته. الجنون هو ثمن الصمود. أطلق الجلادون سراحه بعدَ إذْ جرّدوه بالتعذيب من عقله وأداة تفكيره.
ثالثاً : كما أرى في رشودي قراءة أخرى ودرساً بليغاً وضعه الراوي الدكتور صالح أمام أنظار زملائه الآخرين من أساتذة جامعة الموصل ممن كانوا يتعرضون آنذاك لمحنة التسقيط والتعذيب والترهيب والمساومة على الإنتماء (( للحزب القائد )) أو تقديم تعهد خطي بالبراءة من العقيدة والتخلي عن النشاط السياسي غير البعثي. أراد الراوي أن يقول لزملائه يا أيها الإخوان: مصير رشودي أفضل لكم من السقوط بالإنتماء لحزب البعث أو الإعتراف على رفاقكم المناضلين أو توقيع صك البراءة. أيها الناس : إصمدوا وقاوموا وتحملوا التعذيب غير المسبوق حتى الموت أو الجنون. الموت أفضل.
الدكتور عبد الرزاق والدكتور خليل
كنا عام 1971 في جامعة بغداد لا نعرف عمّا كان يجري في جامعة الموصل من أنشطة سياسية معارضة للنظام القائم بجبروت القوة الغاشمة.لم نسمع بعريضة الدكتور عبد الرزاق إلى مجلس قيادة الثورة يطالبه فيها بالإنفراج السياسي وإشاعة الديمقراطية وأجواء حرية التعبير والإنتماء. سحب تحت التهديد باقي الموقعين على هذه المذكِّرة تواقيعهم إلا هو، الدكتور عبد الرزاق. رفض المساومة وأصرَّ على ما كتب فإغتالته عناصر الأمن البعثي في باب داره بعد منتصف الليل. أما الدكتور خليل فقصته طريفة مع حزب البعث الحاكم. أوعزت الأجهزة الأمنية والتخريبية إلى بعض عناصرهم من أئمة المساجد أن يطالبوا في خطب أيام الجمعة بقتل هذا الأستاذ الكافر والملحد وأن يطهروا مدينة الموصل من أمثاله. لقد تجرّأ وجدّفَ في إحدى محاضراته وزعم أنَّ أصل الإنسان قرد. فعلوا ذلك وسمع بأذنيه تحريضات غربان حزب البعث المحسوبين على الدين تأتيه عالية من مكبرات الصوت المنصوبة في أعلى منائر مدينة الموصل الحدباء.كانت مؤامرة إبتزازية خسيسة ضده الغرض منها إجباره على سحب توقيعه من مذكرة الدكتور عبد الرزاق، ثم الإنتماء إلى حزب البعث. قالوا له في ساعة المساومة : لا ينقذك من تحريض هؤلاء علىقتلك ولا يحميك من غدر مسدساتهم إلا الإنتماء إلى حزب البعث. قالوا له البعث أقوى من الدين وأقوى من رجال الدين. سحب توقيعه وإنتمى فحصل على الفور على منصبين الأول رئيساً للقسم ثم مساعداً لرئيس الجامعة. الأول يُقتل والثاني يحصل على ترقيتين وظيفيتين وسيارة حزبية يقودها سائق من رجال الأمن والمخابرات. الحزب أقوى من الدين ورجاله !!
مهدي
يمثل الدكتور مهدي حالة ثالثة تتوسط حالتي عبد الرزاق القتيل وخليل الذي سقط فصعد السلّم الوظيفي بترقيتين. سقط عبد الرزاق ولم يقبل المساومة، وصعد خليل بالسقوط. أما مهدي فإنه تعرض ـ وهو الأستاذ الجامعي ـ إلى عذابات الجحيم وتحمل الضرب والركل والتعليق في السقوف وصعقات الكهرباء في بعض أعضاء الرجال الحساسة، تحمل كل ذلك ولم يهنْ أو يساوم أو ينكفيء. ظل بطلاً ورجلاً شريفاً وإنساناً مخلصاً لعقيدته فقد كان البعثيون الغّدَرة يعرفونه شيوعياً من خلال تمثيله لحزبه في الجبهة الوطنية المشؤومة ذائعة الصيت. رفض وهو يسبح في برك دمائه عروض البعث وبقي تحت التعذيب ولم يقبل المساومة حتى هددوا أمام عينيه بإنتهاك عرض وحرمة جسد ولده الصبي إبن الثانية عشرة. إذاك وإذاك فقط وافق لا على الإنتماء إلى حزب البعث، وإنما على توقيع تعهد بعدم الإشتغال في السياسة.
زهدي…، الوعي والإيمان
على خلفية ما كان يجري من تعذيب لزميله الصامد الدكتور مهدي يطرح الكاتب مسألة خُلُقية ـ إنسانية ـ سياسية ـ تأريخية غاية في التعقيد ( الصفحة 91 ). يناقش فيها مسألتي صمود وتحمل بعض البشر للآلام وإنهيار أُناسٍ آخرين وركوعهم أمام آلام التعذيب. وهنا يتذكر السيد المسيح وآلامه المعروفة أثناء صلبه ودق المسامير في كفيه وصدره وقدميه. هذا هو مصير كل من يخالف قومه ويأتيهم بأمر جديد. سواء أكان هذا الجديد ديناً أو فلسفةً أو حزباً وعقيدة. لِمَ تحمل عيسى المسيح آلامه وصمد حتى الموت ولم يستطع ذلك الكثير من البشر ؟ د. زهدي يطرح في روايته سؤالاً ما كنتُ أتوقعه منه وهو الأديب المثقف والسياسي السابق وعالم التأريخ. يتساءل زهدي عن دور كل من الوعي والإيمان في مسألة الصمود للألم وتحمل عذاب الجسد. أنقل ما قال زهدي على الصفحة 91 حرفياً (( تُرى، لماذا يستطيع البعض تحمل التعذيب حتى الموت ؟ والبعض الآخر لا يتحمل ذلك ؟ من أين يأتي الإستعداد لتحمل الآلام ؟ هل مجرد الوعي للقضية يكفي ؟ هناك كثيرون ممن كانت درجة الوعي عندهم عالية جداً، ولكنهم مع ذلك لم يصمدوا. والمسيح الذي تحمّلَ الآلام حتى الموت دون أن يتأوه، هل كان واعياً لقضيته أم مؤمناً بها ؟ وما الفرق بين الوعي والإيمان يا تُرى ؟ وأنت ؟ كيف ترى الأمر، أهو إيمان أم وعي ؟ أم أنك ـ يخاطب صديقه التحت التعذيب مهدي ـ أم أنك تريد أن تحافظ على كرامتك ؟ كرامتك المنحدرة من أصلك البدوي ؟ )).
موضوع المسيح مختلف غاية الإختلاف عن مواضيع رواية زهدي. ما كان المسيح صاحب بيت وزوجة أجنبية وأولاد ووظيفة حكومية. لا أدري أنا شخصياً أكان عيسى سيصمد لألم التعذيب لو رأى بعينيه أعداءه يغتصبون أحد أولاده أو يفضحون حرمة جسد قرينته أو حتى يغتصبونه هو كما فعل البعثيون بمن خالفهم فكراً أو عقيدةً أو نهجاً أو سياسةً من العراقيين ؟؟ كان خصوم عيسى يعذبون جسده ولا يُدخلون في هذا الجسد أعضاءً أو أشياءً أُخرَ غريبةً عليه وعلى تكوينه العضوي ومخالفة لنهج وعرف ومنطق الطبيعة. ثم، وهذا هو الأمر الهام، كيف يفرّق زهدي بين الوعي والإيمان (( هل كان واعياً لقضيته أم مؤمناً بها ؟ )). سؤال شديد في غرابته ذاك لأنَّ الوعي سابق للإيمان ويمثل درجة أولى أو الطبقة الأولى في هيكل صرح الإيمان. لا إيمان بدون وعي. هل يؤمن الصخر أو الحيوان بشيء، فكرةً أو عقيدةً أو مبدأً ؟؟ أضرب مثلاً من شخصيات تعرضت لمحنة التعذيب يعرفها الجميع. أُستشهد بعضهم ولم يصمد للمحنة أو التجربة البعض الآخر. قَبِل سلام عادل الشهادة وصمد لآلام التعذيب حتى الموت في حين سقط مالك سيف وعزيز الحاج وعزيز الشيخ وآخرون من قادة الحزب الشيوعي العراقي المعروفين. تقبّل الموت الطبيب محمد (أو أحمد) الجلبي والصحافي عبد الجبار وهبي ومتّي الشيخ وعدنان البرّاك وصبيح سباهي وجمال الحيدري ومحمد صالح العبلّي وجورج تلّو وحسن عوينة وستّار مهدي المعروف ثم البروفسور صفاء الحافظ والدكتور صباح الدرّة في حين إنهار هاشم الأعظمي وآخرون محسوبون على القيادة. أين يكمن السر والسبب ؟ أما كان المنهارون واعيين لقضيتهم الأممية الكبرى، الإشتراكية وتحرير وقيادة الطبقة العاملة والسلام على الأرض؟ أكان إيمانهم بعدالة هذه القضايا ناقصاً أو ضبابياً أو غيرَ واضحٍ؟؟
لم أذكر الكثير من الصامدين الذين آثروا الموت على الرضوخ للجلادين من بين من أعرف من سواد الناس وبسطائهم. إنما ذكرت القيادات فقط لأنَّ مسؤولياتهم السياسية والحزبية والأخلاقية أعظم وأخطر من مسؤوليات سواهم من سائر البشر.
أخي زهدي : لا إيمان بلا وعي. وعي القادة الذين ذكرتُ واحد لكنهم متفاوتون في درجات إيمانهم ليس إلاّ. هناك من يستطيع الإنسلاخ عن إيمانه فيخون هذا الإيمان ويتخلى ساعة الشدة عنه. هذا مثال مالك سيف وعزيز الحاج ومن لف لفهم. يجزُّ البشرُ صوف الخروف ويبقى الخروف حياً بلحمه ودمه وعظامه، ولكنْ لا يجرؤ بشرٌ على مس شعرة واحدة من على جلد الأسد إلاّ بعد قتله. هنا نجد سلام عادل وصحبه الميامين.
إذن فالسؤال عن الفرق بين الوعي والإيمان سؤال غير وارد.كذلك السؤال هل كان المسيح واعياً لقضيته أم مؤمناً بها ؟ لا مكان للسؤال أكان واعياً أم مؤمناً. لا إيمانَ دون وعي.
زهدي وشجرة الكالبتوس
ما سر غرام الدكتور زهدي بشجرة اليوكالبتوس ؟
سألت صديقي الروائي هذا السؤال في مكالمة تلفونية فبين لي أن هذه الشجرة كثيرة في مدينة الموصل وحدائقها وشوارعها وغاباتها. جواب معقول لكني أرى في ولع زهدي بهذه الشجرة وكثرة ذكره لها أموراً أخرى نبعت من أعماق لاشعور الكاتب. إنها شجرة عملاقة تمثل لزهدي الإباء والصمود والشموخ. ثم إنها شجرة دائمة الخُضرة لا تتساقط أوراقها في الشتاء. الصمود أمام عوادي المناخ والزمن وتحدي قساوة الطبيعة والظروف المحيطة بها وبأخيها الإنسان. ثم في أوراقها الدائمة دواؤنا وشفاؤنا من برد وزكام الشتاء.
فيها صحتنا وحياتنا في آخر المطاف.
مفارقة ومقارنة وختام :
إذا بقي الدكتور صالح أستاذاً في جامعة الموصل حتى أوائل العام الدراسي 1979 كإنسان مستقل وترك بلده نظيفاً رافع الرأس فإني أعرف أحد أساتذة جامعة بغداد ممن أُلقي عليهم القبض في نفس هذا العام الدراسي فإنهار وتعاون مع أجهزة الأمن البعثية وعناصر مخابراته وسرّب لهم ما يعرف من أسرار حزبية مقابل إطلاق سراحه والسماح له بمغادرة العراق والعمل في بعض البلدان العربية. يا للعجب !! أصبح هذا الشخص المنهار والمتعاون مع أجهزة الأمن البعثية عام 1979 … أصبح الآن، بعد زوال صدام ونظام حكمه وكيلاً لإحدى الوزارات العراقية. سبحان مغيّر الأحوال. وماذا بمصرَ من المضحكات… كما قال الشاعر المتنبي ؟؟ كان هذا الرجل ـ المحسوب على الرجال ـ شيوعياً متطرفاً، بل وكان أيام دراسته في موسكو في ستينيات القرن الماضي شرطياً عَلَنياً يتجسس على الطلبة والسياح العراقيين ويتهددهم ـ السياح ـ بطردهم من موسكو إذا مارسوا الإتجار بالدولار أو الذهب. دار الزمان فإنقلب هذا البهلوان العريق ومدلل موسكو السابق دورة كاملة فأصبح بقدرة قادر أمريكاني الهوى والميول وكثير الثرثرة حول قدراته ومؤهلاته الفارغة. نعم، وماذا بمصرَ من المضحكات.
إذا ما تساءل الدكتور زهدي عن الفرق بين الوعي والإيمان فإني أتساءل عن سر القوة الخفية التي تتحكم بأقدار ومصائر ومصالح البشر وأرزاقهم في الحياة. العالِم النظيف والعفيف وصاحب الكتب والمؤلفات يعود للتعليم الجامعي أستاذاً للتأريخ في جامعة كركوك لغرض وهدف واحد : ضمان الحصول على راتب تقاعدي متواضع. يسعى العالِم الثابت على مثاله ورموزه وشرفه للحصول على تقاعد بسيط في حين يصبح الخائن والجبان والمتخاذل والذي تنازل عن شرفه الشخصي والسياسي وكيلاً لإحدى الوزارات. ما تفسير ذلك ؟؟؟؟؟ سمعت في منامي المسكين المجنون { رشودي } يصرخ بي قائلاً : تجد الجواب في جدلية ثنائية الثابت ـ والمتحوّل. نصيب الثابت الفقر أو الجنون. أما المتغير والمتحول فنصيبه النعيم في الحياة !!!!! عدتُ أسأل المجنون رشودي : هل يتساوى ثابتان في الحياة ؟ قال وضّحْ، لا أفهم هذه الفلسفة. قلت أعني هل يتساوى ثابت مثلي مع ثابت كصدام حسين ؟ قال كلاّ. أنت ثابتٌ على الخير. أما صدام حسين فثابت على شر. قلت وما فرقُ نهايتيهما ؟ قال الفرق شديد الوضوح : أنت تعيش فوق سطح الأرض طليقاً فقيراً مُكَّرَماً رافع الرأس، أما صدام حسين فمصيره أن يقضّي بقية حياته مُقيَّداً تحت الأرض جرذاً مدفوناً في مرحاض. هذا هو الفرق. قلت لكنَّ الفرق ليس كبيراً . قال رشودي هذا تقديرك للأمر ولا إعتراض لديَّ. قلت إذن فلأحاول التحوّل وأتخلص من فقري. غاب رشودي عن العيان فأتاني صوت صديقي النبيل زهدي بالبريد الألكتروني يقول : كنتُ أسمع حوارك مع زميل المهنة السابق ( رشودي )، وعليه أود أن أقول لك : مثلك لا يتحول بل ولا يستطيع. هكذا خُلِقتَ وهكذا صيّرك رب العالمين. مارجاً كأبليسَ من نار، عنيداً يرفض السجود لطينة آدمَ وأحفاده سامَ وحامَ ونمرودَ بابلَ وباقي نسلهم من البشر. النار تحرق الطين. إبقَ على ثباتك وتحملْ فقرك وجوعك ثم حاول مثلي أن تجد لك راتباً تقاعدياً في مكان ما في هذا العالم المتحرك والشديد التحوّل.
فقر الثابت في الحياة دون ذل أفضل من نعيم المتحوّل الذليل. وداعاً نينوى !!!
كلمة أخيرة
أبدع الدكتور زهدي مرّةً أخرى في رواية " وداعاً نينوى " كما أبدع في قصصه الأخرى وما كتب من روايات مطوّلة منشورة ومتداولة بين القرّاء. إنه كاتب من نوع خاص، يكتب فيأسر قارئه بقوة المنطق السردي الساحر ومتانة اللغة وسلاسة الجمل العربية رغم أنَّ العربية ليست لغته الأم والأصل { وجدت بعض الأخطاء اللغوية البسيطة التي مرّت على الكاتب سهواً، فإنَّ صوابها ليس عسيراً ولا عصيّاً عليه }. فضلاً عن سحر وقوة المنطق والقدرة الخارقة على إقناع القاريء بما يعرض من أحداث، فإنَّي وجدت الصديق النادر د. زهدي يمتلك ويمارس نوعاً خاصاً من البراعة في خلط الأحداث وإيلاج الزمن الماضي بالزمن الحاضر ثم الخروج بإقتدار وبراعة من عملية الخلط بالفكرة أو النتيجة أو التأثير الذي يروم إحداثه في عقل وفكر وضمير قارئه. تلكم قدرة وقابلية غير متوفرة لدى كل من كتب قصةً أو رواية. إنها تنبع من صميم ومن أعمق أعماق روح الكاتب ونشأته الأولى وبيئته وتأريخ أجداده الغابرين ثم ثقافته المُضافة وتكوينه النفسي والعصبي.