صافي خصاونة
غربة الجسد … وطن الروح
صافي خصاونة
رحلتُ عنكم
لا بقدميّ
بل بقدَرٍ أثقلَ جسدي
فألقى بي في منفى الصمت
كنتُ معكم
أسير في الطرقات المزدحمة
أنثر الفرح في النهار
وأُهدي المساء نوراً من كلامي
وإذا بي الآن
أحملُ الليلَ وحدي
غريباً وحيداً
أضاعَ ملامحَ الطريق
المرض
ليس وجعاً في العظمِ ولا في الدم
هو بحرٌ يغلقُ أبوابه
وسقفٌ يهبطُ على الروح
وزمنٌ يتثاقلُ
حتى يُحوّل الدقيقةَ
إلى عمرٍ من جمر
أحنُّ إلى وجوهكم
إلى دفءِ الأحاديث معكم
إلى مقعدي في صفوفكم
إلى صوتي حين كان يشارككم الغناء
إلى نفسي
حين كانت تشبهني
واليوم
كلُّ ما حولي صامت
كلُّ شيءٍ يشيخ سريعاً
حتى صوركمُ في الذاكرة
تتعب من كثرة النداء
أيُّها المرض
لم تهزم قلبي
لكنّك سرقتَ لغتي
سرقتَ انحناءةَ وجهي نحو من أحب
وجعلتَني أحملُ سلامي في رسائل صامتة
تُبعثُ من بعيد
كأصداءٍ يتيمةٍ
على جدار الغياب
ومع ذلك
ما زلتُ أرى النور يتسلّل
من دعاء أمّي
من دمعةِ صديقٍ يفتقدني
من يدٍ ترفعُ اسمي للسماء
ما زلتُ أؤمن
أن الليل مهما طال
سينكسرُ عند أولِ خيطِ فجر
وأن الغربة مهما طالت
ستنتهي عند أولِ عناق
وأن المرض مهما أستبدّ
سيرحلُ
وأعودُ
كما كنتُ يوماً
أغني بينكم للحياة