خديجة جعفر
الثرثرة في ايام الحرب
خديجة جعفر
تسطو ظاهرة "سرد الحكايا "شتاء كتقليد اعتادته افراد المجتمعات التي لا تمتلك من وسائل التسلية والمعرفة اكثر من النقل والسمع لما يمتلكه الأجداد من خبرات سابقة، ربطا بعلاقة خفية مع ضيق حال يحد الوفرة من وسائل التدفئة، ما يُلزم التجمع حول ثنائية من: "دفء نار- ولمة سرد"، وجهين لعملة واحدة، تسهم في ترسيخ أبعاد الحكايا، في توجيه الانشطة السلوكية للأجيال..
لطالما تدخلت حكايا الجدات في ان تلهب المخيلة، اسهاما في إنتاج الصور، تُدَوِرُ المواقف من طغيان التوافق نحو ما يتوصف اعتراضي، فانها في ذلك، تسهم بتحقيق ذاتيتنا وفردانيتنا وتمايز مستويات قدراتنا الفكرية عبر ما تتركه فينا من قدرات لخلق الصور عبر ثرثرة تصلنا، ونحن نحول التلاوة إلى إنصات تأملي..
قد يبدو أنها عادة أصيلة في تكويننا النفسي والمجتمعي، ففي الوقت الذي يتم توظيف الحكايا، آلية حمائية من عزلة وبرد الفقراء، واصطياد الحكمة من النقل، ولمَّة الحنين في سهرات تضم مختلف الأجيال، اصبحت حالة حنين وانشداد وعي حتى لمن لم يتسنَ لهم عيش تلك السهرات ...
فالفقر والحكاية والحكمة، مثلث تترابط اضلاعه في علاقة خفية ووثيقة من التركيب المجتمعي، مثلث ينقل الحكمة والخلاصات عبر الاجيال...
لم يتغير العقل في حنينه الحكواتي، لا سيما وقد تكرس على امتداد زمني، ادبا وفنا مستقلا، يرتكز على المحاكاة، مشافهة مباشرة مع المتلقي، مع كل ما تحمله المشافهة من أبعاد التقديس لمنقول يراد ترسيخه، قدسية يؤكدها الفيلسوف (يان آسمن Jan Assmann) عالم مصريات وفيلسوف ثقافي.
حين تناول مفهوم “الذاكرة الثقافية” وكيف تتحول بعض الروايات الشفوية إلى نصوص مقدَّسة تُعامَل كتاريخ.و كيف تنتقل المجتمعات من الرواية الشفوية إلى النص، وكيف يُكسى الحدث المنقول شفهيًا بالقداسة عبر الزمن) ، فكان لقداسة هذا السرد الشفاهي من حكايات الجدات، مكانتة التوجيهة، وآليتة الخفية في نقل المعايير الموجبة لحل النزاعات...
في المناطق الحدودية الجنوبية لبنانيا، وفي زمن الحرب تحديدا، تتغير أوجه الثرثرة من الحكاية، كلما بدَّل الخوف والتوتر لون الوجوه.
تنازلت الجدات عن بطولة السرد، استبدلته بالدعاء استسلاما لمصداقية الواقع خبرا، واعترافا بالعجز مفرغة سعة الصالونات لثرثرة حرب قد تقتل أمراء حكاياها.
تنازل امير الحكاية عن انتاج الامل، وخفض حدة التوتر من الصراع الطبقي، لينام في احلامنا العميقة،
تغيرت الحكمة من الحكاية كما أهدافها، فالتخيل والأمل والدفء والأمان لم تعد اسلحة الجدات في النقل، باتت الحكايا خارج الية: "النقل - الانصات" من السرد، فصمتت الجدات صمتا ابديا...
الا ان هذه التجمعات الجاهزة للتلقي، المستعدة للتجمع، المشحونة بحنين الثرثرة الحكواتية لم تتغير... ولو نتحلى بشجاعة الموضوعية قليلا، لوجدنا ان الحكاية ذاتها كمحتوى، أصبحت مصنعا لتصدير النزاعات والصراعات..
ففي المناطق الحدودية الجنوبية لبنانيا، حيث القلق والتوتر الأمني المستمر سيد الموقف، ما زالت، بل وبتصاعد وتيرتها وثباتها، تجمعات الأسر، الاجيال، الاقارب، الأصدقاء... تجمعات تبدع في عرض اورام الحكايا، مسقطة عنها وجوب التخيل والتأمل وابتسامة الاكتشاف من السيرة حكمة، الجموع تعرض وتستعرض حكاياها تفاصيلا حية، وليست تسردها، بحكم اللحظة وبسلطة احقية الحاضر على سابقه زمنا، فتنشط في أفواه الجموع النقاشات، التحليلات، التقييمات السياسية، الانتصارات والانكسارات وكل ملحقاتها من النزاعات والانقسامات، بما لا يصب في خدمة الهدفية، أو القصدية من التقييم الاصلاحي، بقدر ما يتخذ العرض شكلا جديدا من الحكواتية الفارغة من موجبات قداستها، ومن وظائفها المجتمعية توجيها. فغالبية الجموع تحولت حكواتية، رغم ثقتها وادراك قصورها وعجزها عن الإحاطة علما بما يجري، أو بمستقبل ما سيكون، أو تقييما للموقف الاسلم مما يجري. ويحدث في خواتيمها السهرات، استسلام الحكواتية لحكم المجهول خلاصة بمقولة:
" الله وحدو بيعرف شو ناطرنا" ...
ثرثرة لا تكل ولا تهدأ في تلك المناطق، لا يخلو منها صالون ضيافة، شرفة منزل، دكان حي، قهوة قرية حتى انها تجتاح الهلوسات الذاتية للفرد نفسه وهو في حالة مراجعة لتأكيد صوابية حكايته عن الاخر، عند كل لحظة شك معرفي تعترضه، فالواقع حرب، يمس الحياة والمستقبل في العمق، والاجدر، ان نمتلك عرضا اسعافيا من الحكاية. لكن الجميع مدرك لفقدانه السيطرة إحاطة بالاسباب وبالأحقية وبالحل. انها في الحرب، جموع التلقي لثرثرة حكايا تعرض ما لا ينتهي بزواج الأمير من ابنة الفقير...
ولسوف يصعب أن نتوه عن ذكر ما لهذا الانشغال بالثرثرة حكايات، استغلالها لمعظم طاقاتنا الفكرية والتأملية، لخيالنا، لادراكنا اللحظة، ولقدرات تخطيطنا لغدنا، ففي الحرب تتم خصخصة الفكر والذاكرة لصالح الانتظار، بما لا يصلح إشغاله، بغير ثرثرة لحظوية، ثرثرة حرب، لتتعطل معها كل احتمالات الانشغالات الأخر...
ليس أولوية، ان يحتل كتاب ما، ذاكرة المجتعين، ولا للصفوف المدرسية ان تستحق منا جهود التنظيم، لا مشروع تنموي يفصل بين صفوف المتحاورين، اما القضايا الأساسية معاشا: الرواتب، الأجور، الاسعار، البطالة المتصاعدة، التعليم والصحة، الطرقات والخدمات واي مما يفترض تصنيفه حقوق انسانية اساسية للعيش الكريم في الدول، أو حتى في مناطق الجيرة من نفس الوطن، قد غابت جميعها في سكون ،حملته الجدات الغائبات عن الحضور .. فكل القضايا مؤجلة، انها خارج حكمة الانتباه من الحكايا، مذ تعطل دور الجدات عنها، واستلمتها الصالونات لثرثرة الحرب، فتحول الوطن إلى أوطان، بحكم الضرورة، وبحكم الواقع من انشغالات ثرثرة الحرب....
في المناطق الجنوبية لبنانيا، حيث دوام الحرب معاشا، ثمة جملة تترد على المسامع، وبالرغم من أن الجميع يعرف تمام المعرفة ظروفها وأسبابها حين تُسمَع، الا ان التغاضي حاضر:
"انزل كيلومتر واحد، خارج المنطقة لتشوف عالم تاني، عالم ما بيشبهنا بشي، عالم بغير أوجه للحياة"...
لنلحظ كم تمكنت ثرثرة الحرب من ان تحول قواعد الحقد وتغير مساره، بحيث لم يعد حقدا طبقيا كما في حكايات الجدات، بات الحقد ظرفيا، أعلى سقفا من الإرادة الفردية، متحررا من حركة التاريخ، بات مناطقيا، مع غلبة الثرثرة من الحكايات الجدد...
خديجة جعفر
20 /11 /2025