د. آدم عربي
الذكاء الصناعي بين التقدم والتفاهة: هل مات الإبداع الإنساني؟
د. آدم عربي
في زمنٍ تتسارع فيه التكنولوجيا إلى حدٍّ يبعث على الدهشة ، وربما القلق ، يبدو أنَّ الذكاء الصناعي قد أصبح ضيفاً ثقيلاً على المهن الإبداعية، بل وأحياناً عدواً شرساً يهدد جوهر الإنسان ذاته: العقل، والموهبة، والخيال.
لم تعد الكتابة الأدبية أو الصحفية، أو حتى الشعر، حكراً على أصحاب القلم والفكر. فبضغطة زر، يمكن لأيٍّ كان أنْ يُنتج نصاً يبدو جيداً، مترابطاً، وربما مزخرفاً بأسلوبٍ لغويٍّ مقنع. لكن ما الذي يحدث فعلاً حين يعتمد معظم الكتّاب، الناشرين، وصنّاع المحتوى، على أدوات الذكاء الصناعي لملء الصفحات؟ يحدث أنْ يختلط ، كما يُقال ، الحابل بالنابل.
إننا نشهد اليوم طغياناً رقمياً يشبه طغيان السوق، حيث يُقدَّم الإنتاج السريع على الجودة، والتكرار الممل على الأصالة. وكأنَّ الإبداع بات شيئاً ثانوياً، أو موهبةً يمكن محاكاتها برمجياً. وهو ما يُعَدّ، في جوهره، قتلاً للعقل البشري، لا من حيث القدرة البيولوجية، بل من حيث الاستعداد للبحث، والتأمل، والخلق.
لقد عبّر الفيلسوف الكندي آلان دونو في كتابه "نظام التفاهة" عن هذه الأزمة حين أشار إلى هيمنة الرداءة على الحياة العامة، وفساد معايير التقييم. واليوم، ومع الذكاء الصناعي، تتعاظم هذه الهيمنة لتغزو حتى الميادين التي كانت تُعتبر الحصن الأخير للفكر الإنساني الحر. ومع ذلك، وكما يذكر دونو، تبقى هناك نافذة مشرعة في وجه هذا الزيف: إنها الموهبة الحقيقية.
المبدع الحقيقي، ذلك الذي لا يكتب ليُقال عنه "كاتب"، بل لأنه لا يستطيع إلّا أنْ يكتب؛ ذلك الذي لا يختبئ خلف أدوات اصطناعية، بل يواجه العالم بأدواته الخاصة، بخياله، بلغته، بنبرته الخاصة التي لا يحاكيها ذكاء صناعي مهما تدرّب.
إنَّ هذا المبدع لا يُهدّده الذكاء الصناعي، بل تتعزز قيمته كلما ازدادت الرداءة انتشاراً. إنه كالشعلة وسط الظلام، أو كنبضٍ دافئ في عالمٍ يغرق في البرودة الحسابية. وسيظل وجوده ضرورياً لا من أجل الفن فحسب، بل من أجل بقاء الإنسان إنساناً.
فالعقل الذي لا يُستخدم يضمر، والموهبة التي لا تُغذّى تموت. وحين نُفوّض الآلات لكتابة مشاعرنا، نصوصنا، وحتّى قصائد حبّنا، فإننا لا نقتل الإبداع فقط، بل نشارك طواعية في اغتيال جزءٍ من أنفسنا.
الذكاء الصناعي أداة، لا أكثر. أما الإبداع، فهو جوهر. ومن يخلط بين الأداة والجوهر، يخون كليهما.
في عالمٍ تغزوه التفاهة باسم الحداثة، وتُستبدل فيه الروح بالخوارزميات، تبقى الكلمة الأصيلة، النابعة من قلبٍ بشريٍّ حيّ، نافذةَ الخلاص الوحيدة من الزيف. الموهبة الحقيقية ليست فقط مقاومة للذكاء الصناعي، بل هي دحضٌ حيّ له، وشهادة على أنَّ الإنسان لا يزال قادراً على الخلق، رغم كل هذا الصخب.