د. ادم عربي
في فلسفة نسبية "الآن"!
د. ادم عربي
لتحديد الزمان والمكان اللذين وقع فيهما حدث معين، يجب أنْ نطرح دائماً سؤالين مترابطين: متى حصل ذلك؟ وأين حصل ذلك؟ . ولكن إذا قارنت إجابات مراقبين كونيين مختلفين عن هذين السؤالين، فستجد أنَّ إجاباتهم لنْ تكون متطابقة أوْ متوافقة، وذلك بسبب اختلاف أطرهم المرجعية .
يُقصد بـالتزامن (Simultaneity) أنْ تلاحظ وقوع حدثين في نفس اللحظة الزمنية، وهذا ما يتحقق عندما تكون واقفاً في منتصف المسافة بين موقعي الحدثين فهو شرط التزامن .
لنفترض أنَّ المسافة بين مكاني الحدثين تبلغ ١,٢ مليون كيلومتر، وأنت تتوسطهما تماماَ ، أنتَ في المنتصف بينهما . في هذه الحالة، يمكنك الجزم بأنَّ الحدثين متزامنين، لأنَّكَ شاهدتهما يحدثان معاً في الوقت ذاته .
غير أنَّ هذا الرأي يتناسى أمراً في غاية الأهمية، وهو التأخير الزمني بين وقوع الحدث وإدراككَ له ؛ فالحادثان وقعا بالفعل قبل ثانيتين من لحظة رؤيتهما .
"إذا تغير موقع المراقب ليكون قريباً من أحد الحدثين ولنقل على بعد أمتار ، فلنْ يرى أي تطابق زمني بينهما، بلْ سيلاحظ أنَّ الحدث الأقرب سبق الآخر البعيد بأربع ثوانٍ .
الرؤية ما هي إلّا نتاج تفاعل الحدث مع عين الناظر، حيث ينتقل هذا الأثر عبر الفضاء بسرعة ثابتة تبلغ ٣٠٠ ألف كيلومتر في الثانية. يتحقق هذا الانتقال عبر جسيمات خاصة عديمة الكتلة تعرف بالجسيمات الناقلة للقوة أو حوامل التأثير. ومن المستحيل أنْ يصل تأثيرٌ ناشئ عن حدث يبعد عنك بضعة أمتار إليك وإلى مراقب آخر يفصله عنك مسافة تقدر بمليارات السنوات الضوئية في اللحظة ذاتها. فكل تأثير لا بدَّ له من قطع المسافة الفاصلة بين المصدر والمتلقي بسرعة محددة لا تتجاوز سرعة الضوء في الفراغ وهي ٣٠٠ ألف كيلومتر في الثانية .
بالرغم من وقوع الحدثين في نفس الوقت بالضبط، إلّا أنَّ كلا المراقبين (الواقف في المنتصف والقريب من أحد الحدثين) قد شاهدا الحادثين بعد وقوعهما فعلياً.
بينما رأى المراقب الأول أنَّ الحدثين متزامنان، اعتبرهما المراقب الثاني غير متطابقين زمنياً.
ولكن، هل يعني رؤيتي لحدثين متزامنين أنهما وقعا فعلاً في نفس اللحظة؟
أنا هنا، واقفاً في موقع ما على الأرض، أشاهد حدثين يبدوان متزامنين: انفجار قذيفة على بعد كيلومتر مني، وانفجار نجم يبعد عني ١٠ ملايين سنة ضوئية.
بالرغم من ظهورهما متزامنين لي، إلّا أنَّ انفجار النجم حدث في الحقيقة قبل ١٠ ملايين سنة .
مما يدل على أنَّ التطابق الزمني في المشاهدة أو التزامن قد لا يعكس التطابق الفعلي في وقت الحدوث .
لنفترض أنَّ نجماً يبعد ١٠ ملايين سنة ضوئية عن الأرض قد انفجر في هذه اللحظة بالذات، وسيترك هذا الانفجار أثراً ما على كوكبنا. نحن سكان الأرض لمْ نرصد هذا الانفجار بعد، ولكن لنفترض أننا علمنا به بطريقة خارقة. في الواقع، لن يصل تأثير هذا الانفجار إلينا إلّا بعد ١٠ ملايين سنة قادمة، حيث ينتشر تأثيره بسرعة الضوء التي تحتاج إلى هذه المدة الطويلة لقطع المسافة بيننا.
هذا يوضح حقيقة فيزيائية عميقة: أنَّ ما نعتبره تأثيرات حالية على الأرض قد تكون في الواقع نتائج لأحداث وقعت في الماضي السحيق للكون .
ومن البديهي القول والذي لا شكَّ فيه ، أنَّ ماضي الكون أنَّ ماضي الكون هو الذي قد يؤثر في الحاضر والمستقبل الأرضي .
عندما تشاهد انفجاراَ نجمياً في هذه الليلة على سبيل المثال ، فذلك يعني أنَّ جميع التأثيرات الناتجة عن هذا الانفجار قد وصلت إلى الأرض الآن . فاللحظة التي ترى فيها الانفجار تتطابق تماماً مع لحظة وصول آثاره إليك.
بينما ترصد السماء ليلاً من على سطح الأرض عبر تلسكوبك، تشاهد كوكباً بعيداً جداً (على بعد ١٠ مليارات سنة ضوئية مثلاً). لاحظت شخصاً يقف على سطح هذا الكوكب ذي الجاذبية السطحية التي تفوق جاذبية الأرض بملايين المرات، يفلت كرة من يده فتسقط نحو السطح . ستلاحظ أنَّ سقوط الكرة يستغرق ٢٠٠ ساعة حسب قياسك الزمني الأرضي، بينما لا يتجاوز ثانية واحدة وفقاً لزمن ذلك الكوكب أو زمن الشخص الذي سقطت منه الكرة .
وقع هذا الحدث قبل عشرة مليارات سنة وفق الزمن الأرضي على ما أوضحنا سابقاً. ومن حيث إدراكك له، يبدو كما لو أنه مشهد سينمائي أتى به "ناقل الصورة"، أو فلم أتاكَ به مصور ، الذي قطع رحلة امتدت عشرة مليارات سنة ضوئية، متنقلاً بسرعة ٣٠٠ ألف كيلومتر في الثانية. والآن، ها أنت تشاهد هذا "الفيلم"، الذي يجسد وقوع ذلك الحدث، والذي امتدت تفاصيله على مدار ٢٠٠ ساعة وفق ساعتك الخاصة .
أما المعلومة الأساسية التي يزودك بها "ناقل الصورة"، فهي أنه قطع بالفعل مسافة عشرة مليارات سنة ضوئية ليصل إليك. وهكذا، فإنَّ ما تراه أمامك ليس سوى صورة لحادث قديم جداً، كان وقوعه بطيئاً إلى حد بعيد.
إذا قطع الفيلم ومصوره (أو ناقل الصورة) مسافة ١٠ مليارات سنة ضوئية، فهل يعني ذلك أنَّ الكوكب يقع حالياً على بعد ١٠ مليارات سنة ضوئية من الأرض؟
في الواقع، لا يدل هذا على ذلك.
ما إنْ بدأ المصور رحلته الطويلة من هذا الكوكب، حتى انطلق الكوكب نفسه في اتجاه معاكس لمسار المصور، وظل مستمراً في حركته هذه.
بمجرد وصول الصورة إلى عين المشاهد، أو وصول المصور ومعه الفلم الأرض، قد يُقدَّر بُعد الكوكب عن الأرض بـ ١٦ مليار سنة ضوئية. إلّا أنَّ هذا تقدير افتراضي، فمن المحتمل أنَّ الكوكب قد تلاشى أو زال من الوجود بعد ابتعاده .
قبل ١٠ مليارات سنة، حين بدأ الفيلم والمصور رحلته، كانت الأرض وذلك الكوكب متقاربين أكثر. ومع مرور الوقت، صارت المسافة بين نقطة انطلاق الفيلم والمصور والأرض أطول، وكذلك الحال بين نقطة الانطلاق والكواكب الأخرى، لأنَّ الفضاء الكوني في توسع دائم .