كـتـاب ألموقع

كيف سرق الدولار العالم؟// د. ادم عربي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

د. ادم عربي

 

عرض صفحة الكاتب 

كيف سرق الدولار العالم؟

د. ادم عربي

 

في أروقة السلطة المالية العالمية، تدور حكاية من الطموح والهيمنة، لكنها أيضًا حكاية من السرقة المكشوفة. مجموعة صغيرة من اللصوص الماليين في الولايات المتحدة، متحصنة خلف جدران مجلس الاحتياط الفدرالي الأمريكي، خططت ونفذت أكبر عملية "نهب" اقتصادي شهدها العالم. من قلعة "فورت نوكس" المليئة بالذهب المسلوب إلى الورقة الخضراء التي تحكم الاقتصاد العالمي اليوم، انطلقت هذه الرحلة التي جعلت من الدولار سيدًا بلا منازع، لكن خلف هذا الصعود تكمن قصة مليئة بالخداع واللصوصية.

 

الدولار والذهب:

في عام 1792، وبعد توصية من الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون، اعتمدت الولايات المتحدة الدولار كعملة رسمية، وقُرر أن قيمته تُستمد من الذهب. كانت قاعدة الذهب هذه تهدف إلى ضمان أن يكون لكل دولار قيمة حقيقية مدعومة بمعدن ثمين. كان هذا النظام بمثابة عقد ثقة بين الحكومة والشعب، يضمن أن الورقة التي يحملونها يمكن استبدالها بكمية محددة من الذهب في أي وقت. ، حيث حدد قانون النقد لعام 1792 أن كل دولار يعادل 24.75 حبة من الذهب الخالص.

 

لكن هذا العقد لم يدم طويلًا. في عام 1933، وفي خطوة وصفت بأنها "لصوصية"، أصدرت الحكومة الأمريكية قانونًا يسمح بمصادرة الذهب من البنوك والأفراد. لم يكن هناك خيار؛ تم سحب الذهب بالقوة من التداول واستُبدل بـ"الورقة الخضراء". هكذا، ومن خلال الإكراه، انتهى ارتباط الدولار بالذهب. وكانت هذه الورقة النقدية، التي فقدت دعمها المادي، بداية لعملية سلب ممنهجة لقيمة العملة.

اللصوصية الكبرى: رفع الغطاء الذهبي

 

قبل عام 1933، كانت كل ورقة دولار تشير إلى أن قيمتها تستمد من مخزون الذهب. لكن بعد هذا التاريخ، اختفت تلك العبارة، واستُبدلت بجملة جديدة: "ورقة قانونية للدفع". لم تعد للورقة قيمة حقيقية مرتبطة بالذهب، وأصبحت قيمتها مستندة فقط إلى الثقة في الحكومة الأمريكية. وهكذا، بدأت "اللعبة"؛ الحكومة طبعت المزيد من الأوراق النقدية دون الحاجة إلى دعمها بالذهب، مما فتح الباب أمام تآكل القيمة الحقيقية للدولار.

كان هذا التحرك أشبه بسرقة معلنة؛ ذهب العالم سُحب من التداول، واستُبدل بوعد ورقي لا قيمة مادية له. وقبل أن يدرك العالم ما حدث، كان النظام المالي الأمريكي قد انقلب رأسًا على عقب.

 

نيكسون: إعلان اللصوصية بلا خجل

في عام 1971، أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون أن الولايات المتحدة لن تدفع الذهب مقابل الدولارات بعد الآن. لم يكن هذا القرار مفاجئًا للمتابعين، لكنه كان بمثابة نهاية رسمية لأي ارتباط بين الدولار والذهب. قال نيكسون بصراحة إنه لن يعود بإمكان الأفراد أو الدول استبدال الدولارات بالذهب كما كان يحدث سابقًا. هذا الإعلان كان ضربة قاضية للنظام المالي العالمي، واعتُبر سرقة صريحة؛ إذ كيف يمكن لعملة فقدت دعمها المادي أن تظل العملة العالمية الأساسية؟

منذ ذلك الحين، لم تعد الولايات المتحدة ملزمة بالحفاظ على احتياطيات الذهب لتغطية الدولار، وبدأت في طباعة العملة الورقية بحرية. بين عامي 1971 و2000، زادت كمية الدولارات المتداولة بأكثر من 2000%. وهكذا، وصف الرئيس الفرنسي شارل ديغول طباعة الدولار الأمريكي بلا غطاء ذهبي بأنها "سرقة مكشوفة وكبيرة". ديغول لم يكن الوحيد الذي رأى الأمور بهذه الطريقة؛ فالعالم كله بدأ يشعر أن الولايات المتحدة تستخدم الدولار كأداة لسرقة الثروات العالمية بطريقة مقننة.

 

ديغول يتحدى: فرنسا تطالب باستعادة الذهب

ديغول لم يكتفِ بالكلام، بل ذهب إلى أبعد من ذلك. طالب الولايات المتحدة باستبدال أكوام الدولارات التي تراكمت في البنك المركزي الفرنسي بالذهب. أراد ديغول أن يجعل من الذهب غطاءً للفرنك الفرنسي، في محاولة لتحرير بلاده من الهيمنة الأمريكية. لكن الولايات المتحدة رفضت ذلك. لماذا؟ لأنهم كانوا يخشون أن تحذو دول أخرى حذو فرنسا، ما قد يسبب أزمة عالمية كبرى. كان من الواضح أن الولايات المتحدة تفضل الاحتفاظ بالذهب المستولى عليه، بينما تقدم للعالم دولارات ورقية عديمة القيمة الحقيقية.

 

انهيار النظام النقدي: الورقة الخضراء بلا غطاء

مع انسحاب الولايات المتحدة من "قاعدة الذهب"، انهار النظام النقدي الدولي الذي كان يستند إلى استقرار العملات بفضل الغطاء الذهبي. أصبح العالم بأسره مغطى بـ"ورقة خضراء" لم تعد مدعومة بالذهب، بل فقط بثقة هشة في الاقتصاد الأمريكي. كانت هذه اللحظة الحاسمة بمثابة انتصار للولايات المتحدة، لكنها انتصار تحقق بفضل عملية "نهب" اقتصادي منظم.

 

لولا القوة الاقتصادية الهائلة للولايات المتحدة، التي لم تتأثر بالحروب العالمية كما تأثرت أوروبا واليابان، لما تمكن الدولار من التحرر من قيود الذهب. ومع تعافي أوروبا واليابان الصناعي، وجد العالم نفسه غارقًا في "الورقة الخضراء" التي كانت تفقد قيمتها يومًا بعد يوم، لكنها ظلت توصف بـ"الخضراء" رغم اصفرارها المتزايد.

في نهاية المطاف، تمكنت الولايات المتحدة من بناء نظام مالي عالمي يعتمد على "الورقة الخضراء" التي لا تحمل في جوهرها أي قيمة مادية. ومع ذلك، ظل الدولار العملة الرئيسية في العالم بفضل القوة الهائلة للاقتصاد الأمريكي. لكن خلف هذه الهيمنة، تبقى قصة من السرقة الكبرى واللصوصية المعلنة، حيث تم تحويل الذهب إلى ورق، وتحول العالم بأسره إلى رهينة لنظام مالي يعتمد على الثقة أكثر من الأصول الحقيقية.

 

بينما يظل الدولار في صدارة المشهد المالي العالمي، يجب أن نتذكر دائمًا كيف وصل إلى هناك: من خلال خطوات جريئة، لكن أيضًا من خلال عمليات سلب منظمة لم يسبق لها مثيل في التاريخ المالي.