د. ادم عربي

 

عرض صفحة الكاتب 

مجموعة قصص قصيرة

د. ادم عربي

 

أين الوديعة؟!

قصة قصيرة

ادم عربي

قَضَى عَلِيٌّ أَكْثَرَ مِنْ عَامَيْنِ فِي تَوْفِيرِ الْمَالِ، وَأَخِيرًا تَمَكَّنَ مِنْ تَجْمِيعِ مَبْلَغِ عَشَرَةِ آلافِ دُولارٍ. مُنْذُ وُصُولِهِ إِلَى الْوِلاَيَاتِ الْمُتَّحِدَةِ قَبْلَ ثَلاثِ سِنِينَ، كَانَ يَطْمَحُ لِتَحْقِيقِ هَذَا الْمَبْلَغِ. وَمَعَ ذَلِكَ، بَعْدَ تَحْقِيقِ هَدَفِهِ، أَدْرَكَ أَنَّ الْقُوَّةَ الشِّرَائِيَّةَ لِلدُّولارِ فِي الْوِلاَيَاتِ الْمُتَّحِدَةِ لا تُعَادِلُ قِيمَتَهُ فِي مِصْرَ.

كَانَ عَلِيٌّ يَتَلَقَّى رَاتِبَهُ بِالنَّقْدِ وَيَتَجَنَّبُ إِيدَاعَهُ فِي الْبَنْكِ أَوِ الإِبْلَاغَ عَنْهُ لِلسُّلْطَاتِ الضَّرِيبِيَّةِ، مَمَّا سَمَحَ لَهُ بِالتَّوْفِيرِ. لِذَا، اِخْتَارَ أَنْ يَخْزِنَ أَمْوَالَهُ فِي صُنْدُوقِ أَمَانَاتٍ خَاصٍّ اسْتَأْجَرَهُ فِي الْبَنْكِ.

ذَاتَ يَوْمٍ، عَلِمَ عَلِيٌّ بِأَنَّ مَكْتَبَ التَّحْقِيقَاتِ الْفِدْرَالِيِّ قَدْ فَتَّشَ أَحَدَ الْأَشْخَاصِ الْعَرَبِ وَصَنْدُوقَ أَمَانَاتِهِ بِتُهْمَةِ التَّهَرُّبِ الضَّرِيبِيِّ، مِمَّا أَثَارَ قَلَقَهُ بِشَأْنِ أَمْوَالِهِ. قَرَّرَ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ نَقْلَ أَمْوَالِهِ مِنَ الْبَنْكِ وَتَخْزِينَهَا لَدَى صَدِيقٍ مَوثُوق. بَعْدَ التَّفْكِيرِ فِي قَائِمَةِ أَصْدِقَائِهِ، اِخْتَارَ سَمِيرًا، الَّذِي يَعْمَلُ تَاجِرًا وَرَجُلَ أَعْمَالٍ، مُعْتَقِدًا أَنَّ أَمْوَالَهُ سَتَكُونُ آمِنَةً مَعَ شَخْصٍ ذِي مَكَانَةٍ مَالِيَّةٍ جَيِّدَةٍ وَيَمْتَلِكُ الْخِبْرَةَ فِي إِدَارَةِ الْأَمْوَالِ.

قَدِمَ عَلِيٌّ إِلَى رَفِيقِهِ الْمَالَ، فَأَبْدَى رَفِيقُهُ تَحَمُّسًا وَتَعَهُّدَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْوَدِيعَةِ. وَمِنْ ثَمَّ، أَوْدَعَ عَلِيٌّ الْوَدِيعَةَ لَدَى سَمِيرٍ لِحِينِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا. مَرَّ شَهْرَانِ، وَأَثْنَاءَ انْشِغَالِ سَمِيرٍ بِتَدْقِيقِ الْأَرْقَامِ فِي مَكْتَبِهِ، دَخَلَ سَارِقٌ مُسَلَّحٌ إِلَى الْمَتْجَرِ، مُهَدِّدًا بِإِطْلاقِ النَّارِ إِنْ لَمْ يَسْتَجِبِ الْجَمِيعُ لِأَمْرِهِ. اسْتَجَابَ الْمُوَظَّفُونَ لِأَوَامِرِهِ، رَافِعِينَ أَيْدِيَهُمْ وَمُوَلِّينَ ظُهُورَهُمْ. اقْتَحَمَ السَّارِقُ الْمَكْتَبَ وَأَمَرَ سَمِيرًا بِأَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ وَيَفْتَحَ الْخزنَةَ. حِينَ حَاوَلَ سَمِيرٌ التَّمَاطُلَ فِي فَتْحِ الْخزنَةِ، أَطْلَقَ السَّارِقُ النَّارَ بِجَانِبِ قَدَمَيْهِ، مِمَّا أَصَابَهُ بِالذُّعْرِ وَجَعَلَهُ يَسْتَجِيبُ لِفَتْحِ الْخزنَةِ فَوْرًا. نَهَبَ السَّارِقُ مُحْتَوَيَاتِ الْخزنَةِ وَحَذَّرَ سَمِيرًا مِنْ مُطَارَدَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَهْرُبَ.

أَجْرَى سَمِيرٌ اتِّصَالًا بِالشُّرْطَةِ الَّتِي شَرَعَتْ فِي التَّحْقِيقِ دُونَ أَنْ تَصِلَ إِلَى نَتِيجَةٍ، إِذْ لَمْ يَتَمَكَّنْ أَحَدٌ مِنَ التَّعْرُّفِ عَلَى السَّارِقِ، وَلَمْ تَلْتَقِطْ كَامِيرَاتُ الْمَتْجَرِ صُورَةً وَاضِحَةً لِوَجْهِهِ الْمُغَطَّى. زَعَمَ سَمِيرٌ أَنَّ اللِّصَّ سَرَقَ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دُولَارٍ كَانَتْ دَاخِلَ الْخزنَةِ الْحَدِيدِيَّةِ. وَقَدَّمَ تَقْرِيرًا عَنِ الْحَادِثِ لِشَرِكَةِ التَّأْمِينِ مُدَعَّمًا بِتَقْرِيرِ الشُّرْطَةِ. عِنْدَمَا عَلِمَ عَلِيٌّ بِالْحَادِثِ، زَارَ صَدِيقَهُ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ سَلَامَتِهِ، وَحَمِدَ اللَّهَ أَنَّ اللِّصَّ لَمْ يُؤْذِهِ أَوْ يُطْلِقَ النَّارَ عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: "فِي الْمَالِ وَلَا فِي الْعِيَالِ". أَثْنَاءَ حَدِيثِهِمَا، قَالَ سَمِيرٌ لِعَلِيٍّ: "كَانَ مِنْ بَيْنِ الْمَالِ الَّذِي سَرَقُوهُ الْأَمَانَةُ الَّتِي كُنْتُ أَحْتَفِظُ بِهَا لَكَ." فَرَدَّ عَلِيٌّ: "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، أَتَمَنَّى أَنْ يُعَوِّضَكَ التَّأْمِينُ عَنْهَا." فَسَأَلَهُ سَمِيرٌ: "وَمَا عَلَاقَةُ التَّأْمِينِ بِذَلِكَ؟" فَأَوْضَحَ عَلِيٌّ: "لِكَيْ لَا تَخْسَرَ الْمَبْلَغَ مِنْ جَيْبِكَ." فَكَرَّ سَمِيرٌ قَلِيلًا ثُمَّ قَالَ: 'اللِّصُّ سَرَقَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دُولَارٍ، خَمْسَةٌ مِنِّي وَعَشَرَةٌ لَكَ. التَّأْمِينُ لَيْسَ مَسْؤُولًا عَنِ الْأَمَانَةِ."

تَغَيَّرَتْ مَلَامِحُ عَلِيٍّ وَسَأَلَ: "مَاذَا تَقْصِدُ؟ وَضِّحْ." أَجَابَ سَمِيرٌ: 'لَقَدْ وَضَعْتَ عِنْدِي أَمَانَةً وَلَا أَنْكِرُ ذَلِكَ، لَكِنَّ اللِّصَّ سَرَقَهَا، وَأَنَا غَيْرُ مُلْزَمٍ بِتَعْوِيضِكَ عَنْهَا فَقَدْ سَرَقَ مَالِي مَعَهَا." رَدَّ عَلِيٌّ: "يَا عَزِيزِي، أَوْدَعْتُكَ الْأَمَانَةَ وَأَصْبَحْتَ مَسْؤُولًا عَنْهَا فَوْرَ قَبُولِكَ بِهَا. سَرَقَتُهَا لَا تُعْفِيكَ مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ. اللِّصُّ سَرَقَكَ وَلَمْ يَسْرِقْ أَمَانَتِي." سَمِيرٌ نَفَى قَائِلًا: "هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ يَا عَلِيٌّ، لِمَاذَا أَحْضَرْتَ لِي أَمَانَتَكَ؟" أَوْضَحَ عَلِيٌّ: "يَا سَمِيرُ، أَحْضَرْتُهَا لِتَكُونَ فِي أَمَانٍ عِنْدَكَ." رَدَّ سَمِيرٌ: "كَانَ بِإِمْكَانِكَ وَضْعُهَا فِي الْبَنْكِ أَوْ فِي أَيِّ مَكَانٍ آمِنٍ." صَمَتَ عَلِيٌّ ثُمَّ قَالَ بِغَضَبٍ: "أَلَمْ تَقُلْ أَنَّكَ قَدَّمْتَ تَقْرِيرًا لِلتَّأْمِينِ بِالْمَبْلَغِ الْمَسْرُوقِ؟" أَكَّدَ سَمِيرٌ: "صَحِيحٌ، وَلَكِنْ إِنْ عَوَّضُونِي فَالْمَبْلَغُ لِي." عَلِيٌّ اسْتَغْرَبَ: "كَيْفَ؟" شَرَحَ سَمِيرٌ: "لِنَقُلْ أَنَّكَ لَمْ تَضَعْ أَمَانَتَكَ عِنْدِي، وَسَرَقَ اللِّصُّ مِنِّي أَلْفَ دُولَارٍ. كُنْتُ سَأَدَّعِي أَنَّهُ سَرَقَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دُولَارٍ (قِيمَةُ التَّأْمِينِ) لِكَيْ أَحْصُلَ عَلَيْهَا. أَنَا أَدْفَعُ لِشَرِكَةِ التَّأْمِينِ لِأَكْسَبَ مِنْهَا، وَلَيْسَ لِأَدْفَعَ لَكَ".

انْتَقَدَ عَلِيٌّ: "عَجِيبٌ أَمْرُكَ يَا سَمِيرُ، تُرِيدُ أَنْ تَتَخَلَّى عَنْ مَسْؤُولِيَتِكَ تِجَاهَ أَمَانَتِي وَتَكْسِبَ مِنْ شَرِكَةِ التَّأْمِينِ زُورًا. كَيْفَ لِي أَنْ أَقْتَنِعَ بِأَنَّهُمْ سَرَقُوا الْأَمَانَةَ؟" اعْتَرَضَ سَمِيرٌ: "أَتُتَّهِمُنِي ؟" نَفَى عَلِيٌّ: "سَمِيرُ، أَنَا لَا أُتَّهِمُكَ، بَلْ أَرُدُّ عَلَى أَقْوَالِكَ. فِي كُلِّ حَالٍ، نَحْنُ وَاللَّجْنَةُ التَّحْكِيمِيَّةُ. مَا رَأْيُكَ أَنْ نَحْتَكِمَ إِلَى إِمَامِ الْمَسْجِدِ؟" اسْتَغْرَبَ سَمِيرٌ: "الشَّيْخُ إِمَامُ الْمَسْجِدِ؟ مَا عَلَاقَتُهُ بِالْأَمْرِ؟" أَوْضَحَ عَلِيٌّ: "لِنَسْتَمِعْ إِلَى رَأْيِ الدِّينِ."

قَالَ سَمِيرٌ: "الْمَسْأَلَةُ وَاضِحَةٌ وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى رَأْيِ رَجُلِ الدِّينِ." أَصَرَّ عَلِيٌّ: "هِيَ وَاضِحَةٌ فِعْلًا، وَلَكِنْ أَرَاهَا بِغَيْرِ مَا تَرَاهُ." اقْتَرَحَ سَمِيرٌ: "هَلْ تُرِيدُ أَنْ نَحْتَكِمَ لَدَى مَحْكَمَةٍ أَمْرِيكِيَّةٍ؟' رَدَّ عَلِيٌّ: "الْمَحْكَمَةُ الْأَمْرِيكِيَّةُ سَتَسْأَلُنِي عَنْ إِثْبَاتَاتٍ بِأَنَّنِي أَوْدَعْتُ الْمَبْلَغَ لَدَيْكَ، وَلَيْسَ لَدَيَّ سِوَى ثِقَتِي بِكَ." شَكَرَ سَمِيرٌ عَلِيًّا وَقَالَ: "أَشْكُرُكَ عَلَى ثِقَتِكَ، لَكِنَّ الْأَمَانَةَ سُرِقَتْ وَلَيْسَ لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ." سَأَلَ عَلِيٌّ: 'هَلْ تَرْفُضُ أَنْ نَحْتَكِمَ إِلَى إِمَامِ الْمَسْجِدِ؟" بَعْدَ تَفْكِيرٍ، قَالَ سَمِيرٌ: "حَسَنًا، اتَّصِلْ بِإِمَامِ الْجَامِعِ وَحَدِّدِ الْمَوْعِدَ وَبَلِّغْنِي، سَأَحْضُرُ وَأَبْدِي وَجْهَةَ نَظَرِي. أَنَا مُتَأَكِّدٌ أَنَّهُ سَيَحْكُمُ لِصَالِحِي."

رَفَضَ سَمِيرٌ قَرَارَ التَّحْكِيمِ وَأَصَرَّ عَلَى عَدَمِ إِعَادَةِ الْأَمَانَةِ إِلَى صَاحِبِهَا، مِمَّا أَثَارَ غَضَبَ عَلِيٍّ بِشَكْلٍ كَبِيرٍ، خَاصَّةً لِأَنَّهُ كَانَ يَعْتَبِرُ سَمِيرَ صَدِيقًا مُقَرَّبًا. كَانَ عَلِيٌّ مُحْتَارًا بِشَأْنِ مَا يَجِبُ أَنْ يَفْعَلَهُ. هَلْ يَضْرِبُهُ؟ كَيْفَ يَضْرِبُ صَدِيقَهُ بِسَبَبِ الْمَالِ؟ مَاذَا عَنِ الْأَمَانَةِ الَّتِي جَمَعَهَا عَلَى مَدَى أَكْثَرَ مِنْ عَامَيْنِ، دُولَارًا بَعْدَ دُولَارٍ؟ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ كَانَ يَجُوعُ، وَفِي أَحْيَانٍ أُخْرَى كَانَ يَشْتَرِي أَسْوَأَ أَنْوَاعِ الطَّعَامِ لِيُوَفِّرَ الْمَالَ. هَلْ يَتَخَلَّى عَنْ حَقِّهِ؟ هَلْ يَنْتَظِرُ أَنْ يَسْتَيْقِظَ ضَمِيرُ سَمِيرٍ؟ وَأَيُّ ضَمِيرٍ هَذَا؟

قَالَ لِنَفْسِهِ: "هَذِهِ أَمْوَالِي وَيَجِبُ أَنْ تَعُودَ. لَنْ يَعُودَ الْحَقُّ إِذَا لَمْ يُطَالَبْ بِهِ صَاحِبُهُ." رَفَضَ سَمِيرُ تَحْكِيمَ إِمَامِ الْجَامِعِ، فَمَا الْخِيَارُ الْمُتَبَقِي؟ لَمْ يَكُنْ أَمَامَهُ سِوَى اللُّجُوءِ إِلَى بَعْضِ أَصْدِقَائِهِمْ الْمُشْتَرَكِينَ. رَفَضَ سَمِيرُ قَرَارَ أَحَدِ أَصْدِقَائِهِ الَّذِي حَكَمَ لِصَالِحِ عَلِيٍّ، لَكِنَّهُ شَعَرَ بِالِارْتِيَاحِ تِجَاهَ رَأْيِ صَدِيقِهِ الْتونسيّ، وَاسْتَخْدَمَ هَذَا الْمَوْقِفَ فِي دِفَاعِهِ أَمَامَ عَلِيٍّ وَطَالَبَهُ بِالتَّحْكِيمِ إِلَى الْتونسيّ. قَالَ عَلِيٌّ:

تَرْفُضُ قَرَارَ إِمَامِ الْجَامِعِ الْمُتَخَرِّجِ مِنْ قِسْمِ الشَّرِيعَةِ وَتُرِيدُ تَحْكِيمَ شَخْصٍ لَا يُصَلِّي وَلَا يَعْرِفُ بِالشَّرْعِ. لَكِنَّهُ دَرَسَ الدِّينَ فِي الْمَدْرَسَةِ، وَهَلِ الدِّينُ يَحْتَاجُ إِلَى شَهَادَةٍ جَامِعِيَّةٍ؟ الشَّيْخُ عَمْرُو خَالِدٌ لَمْ يَتَخَرَّجْ مِنْ قِسْمِ الشَّرِيعَةِ. وَهَلْ سَتُقَارِنُ هَذَا بِذَاكَ؟ عَلَى كُلِّ حَالٍ، قَرَارِي الْأَخِيرُ هُوَ أَنَّهُ لَيْسَ لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ، وَإِنْ أَرَدْتَ نَحْتَكِمُ إِلَى الْتونسيّ. أَمَانَتِي فِي عُنُقِكَ وَلَنْ أَسَامِحَكَ وَسَآخُذُهَا يَوْمًا مَا. افْتَرَقَ الصَّدِيقَانِ وَتَدْهُورَتِ الْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا وَأَصْبَحَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَتُّهِمُ الْآخَرَ بِأَسْوَأِ الصِّفَاتِ.

بَعْدَ شُهُورٍ مِنَ الْحَادِثِ، دَخَلَ مُوَظَّفٌ أَمْرِيكِيٌّ مِنْ شَرِكَةٍ إِلَى مَحَلِّ سَمِيرٍ يَحْمِلُ صُنْدُوقًا وَقَالَ لِلْمُوَظَّفِ الْعَامِلِ فِي الْمَحَلِّ، "هَلِ السَّيِّدُ سَمِيرٌ هُنَا؟"

- لَا، كَيْفَ يُمْكِنُنِي مُسَاعَدَتُكَ؟

- لَدَيْهِ هَذَا الطَّرْدُ مِنْ 'أَمْ أَفْ".

- مَاذَا يَحْتَوِي؟

- لَا أَعْرِفُ، هَلْ يُمْكِنُكَ التَّوْقِيعَ هُنَا؟

- بِكُلِّ تَأْكِيدٍ. وَقَّعَ الْمُوَظَّفُ وَأَخَذَ الطَّرْدَ إِلَى مَكْتَبِ سَمِيرٍ وَتَرَكَهُ هُنَاكَ فِيمَا غَادَرَ الْمُوَظَّفُ الْمَحَلَّ.

عَادَ سَمِيرٌ بَعْدَ سَاعَةٍ لِيَجِدَ الطَّرْدَ، فَسَأَلَ الْمُوَظَّفَ مَنْ أَرْسَلَ الطَّرْدَ؟

- لَا أَدْرِي، جَاءَ بِهِ أَحَدُ الْأَشْخَاصِ وَقَالَ إِنَّهُ خَاصٌّ بِكَ أَنْتَ طَلَبْتَهُ.

- غَرِيبٌ، لَمْ أَطْلُبْ شَيْئًا.

- رُبَّمَا دَعَايَةٌ مِنْ إِحْدَى الشَّرِكَاتِ. فَتَحَ الصُّنْدُوقَ فَوَجَدَ زُجَاجَةَ عِطْرٍ وَبِطَاقَةَ مُعَايَدَةٍ، وَقَرَأَ الْكَلِمَاتِ الْمَكْتُوبَةَ بِخَطِّ الْيَدِ بِاللُّغَةِ الْإِنْجِلِيزِيَّةِ: "مُبَارَكٌ، وَصَلَتِ الْهَدِيَّةُ". رَفَعَ قَنِينَةَ الْعِطْرِ لِيَكْتَشِفَ صُنْدُوقًا صَغِيرًا تَحْتَهَا. عِنْدَمَا فَتَحَهُ، وَجَدَ بُودْرَةً بَيْضَاءَ دَاخِلَهُ. بَدأَ يَتساءل:

– ما هذا؟ هل هذه مُخَدَّرات؟ قبل أن يَسْتَوْعِبَ المُفاجَأة، اقتحم المَحَلَّ عَشَرَةُ من رِجالِ الإف بي آي وهُمْ يَصْرُخون:

– إف بي آي، لا تَتَحَرَّكوا! انْبَطِحوا على الأرضِ وارْفَعوا أيْدِيَكُمْ خَلْفَ ظُهورِكُمْ. ارْتَمى المَوَظَّفونَ على الأرضِ، وكَذَلِكَ ثَلاثَةُ زُبائِنَ كانوا مَوْجودِينَ.

دَخَلَ أفْرادُ المَجْموعَةِ مَكْتَبَ سَمير.

– انْبَطِحْ على الأرضِ.

– أوكي، أوكي

بَعْدَ انْبِطاحِهِ قَيَّدوهُ، وأخَذَ أحَدُهُمْ كيسَ المُخَدَّراتِ. وبَعْدَ الفَحْصِ، تَبَيَّنَ أنَّها مادَّةُ الكِراكِ، فاقْتادوهُ إلى السِّجْنِ وأطْلَقوا سَراحَ الآخَرِينَ وأغْلَقوا المَحَلَّ.

أقْسَمَ سَميرُ لَهُمْ أنَّ المُخَدَّراتِ لَيْسَتْ لَهُ، وأنَّ الصُّنْدوقَ وَصَلَهُ مِنْ خِلالِ شَرِكَةِ شَحْنٍ لا يَعْرِفُ مَنْ أرْسَلَهُ. لَكِنَّهُمْ لَمْ يُصَدِّقوهُ، ولَمْ يَجِدوا أيَّ عَلاماتٍ على الصُّنْدوقِ تُوَضِّحُ اسْمَ الشَّرِكَةِ الَّتي شَحَنَتْهُ، فَقَرَّروا تَقْدِيمَهُ لِلمُحاكَمَةِ وإغْلاقَ المَحَلِّ حَتَّى انْتِهاءِها.

خَرَجَ بِكَفالَةٍ مالِيَّةٍ مَقْدارُها خَمْسونَ ألْفَ دولارٍ. حاوَلَ فَتْحَ المَحَلِّ لَكِنَّهُ فَشَلَ، فَخَسِرَ زُبائِنَهُ وعَجَزَ عَنْ سَدادِ دُيونِهِ المُتَراكِمَةِ، وتَلَفَتَتِ البَضاعَةُ داخِلَ المَحَلِّ حَيْثُ مَنَعوهُ مِنَ الدُّخولِ إلَيْهِ، وظَلَّ صاحِبُ العِمارَةِ يُطالِبُهُ بِالأجْرَةِ الشَّهْرِيَّةِ.

في الجَلْسَةِ الخِتامِيَّةِ، بَرَّأَتْ هَيْئَةُ المُحَلِّفِينَ سَميرَ مِنَ التُّهْمَةِ وحَكَمَ القاضي بِالإفْراجِ عَنْهُ. حاوَلَ سَميرُ مِنْ خِلالِ مُحامِيهِ المُطالَبَةَ بِالتَّعويضِ عَنْ إغْلاقِ المَحَلِّ لَكِنَّهُ فَشَلَ، وأصابَهُ انْهِيارٌ واكْتِئابٌ.

التَقى عَليٌّ بِسَميرٍ بَعْدَ المُحاكَمَةِ وقالَ لَهُ مُتَهَكِّماً:

– مُبْرُوكَ البَراءَةُ. كُنْتُ أعْرِفُ أنَّكَ بَرِيءٌ.

– اللهُ يُبارِكُ فِيكَ. ثُمَّ صَمَتَ قَلِيلاً وقالَ:

– أُرِيدُكَ أنْ تَحْلِفَ يَمِيناً أنَّكَ لَمْ تُدَبِّرَ لِي تِلْكَ المُؤامَرَةَ.

– مُؤامَرَةٌ؟ أيَّةُ مُؤامَرَةٌ؟ تَتاجِرُ بِالمُخَدَّراتِ وتَتَّهِمُ النَّاسَ؟

– أنْتَ تَعْرِفُ أنَّنِي لا أقومُ بِذَلِكَ.

– هذا ما كُنْتُ أعْرِفُهُ، لَكِنْ بَعْدَ أنْ أخَذْتَ الأمانَةَ، لَمْ أعُدْ أثْقُ بِكَ ولا بِأيْمانِكَ.

----------------------------------

2

هروب!

قصة قصيرة

بقلم : ادم عربي

فِي البِدَايَةِ، كَانَتِ الأُمُورُ صَعْبَةً لِلْغَايَةِ. قَضَاءُ اللَّيْلِ مُسْتَيْقِظًا لَمْ يَكُنْ مِنَ الخِيَارَاتِ المُفَضَّلَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِيدِي حِيلَةٌ، فَقَدْ كَانَ عَلَيَّ أَنْ أَتَقَبَّلَ العَمَلَ فِي الوَرْدِيَّةِ المَسَائِيَّةِ.

لَمْ تَكُنِ المَهَامُّ المُوكَلَةُ إِلَيَّ كَثِيرَةً، مِمَّا مَنَحَنِي الوَقْتَ الكَافِي لأَنْ أَنْعَزِلَ بِكُتُبِي الثَّمِينَةِ وَأَقْرَأَ بَعْضَ فُصُولِهَا. لَطَالَمَا أَحْبَبْتُ الجُلُوسَ مَعَ الكُتُبِ وَالمَجْمُوعَاتِ الشِّعْرِيَّةِ فِي اللَّيَالِي المُظْلِمَةِ، أَشْعُرُ بِالدِّفْءِ مِنْ حَرَارَتِهَا وَأَسْتَضِيءُ بِضَوْئِهَا.

لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُزْعِجُنِي. كَانَتْ أَصْوَاتُ الأَجْهِزَةِ فَقَطْ هِيَ الَّتِي تُدَاعِبُ أُذُنِي وَتُؤْنِسُ وَحْدَتِي.

أَحْيَانًا، كَانَ زَمِيلِي أَسعَدْ يَجْلِبُ لِي فِنْجَانَ القَهْوَةِ، وَنَتَبَادَلُ أَطْرَافَ الحَدِيثِ قَلِيلًا، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مَكْتَبِهِ الَّذِي يَقَعُ عَلَى بُعْدِ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مِنْ مَكْتَبِي.

مَرَّتْ سَبْعَةُ أَشْهُرٍ عَلَى هَذَا الرُّوتِينِ الَّذِي لَمْ أَكُنْ مُرْتَاحًا لَهُ، وَلَكِنِّي تَقَبَّلْتُهُ حَتَّى جَاءَتْ لَيْلَتِي الأَخِيرَةُ هُنَاكَ.

كُنْتُ أَسْتَمْتِعُ بِفِنْجَانِ قَهْوَتِي فِي المَنْزِلِ عِنْدَمَا اتَّصَلَ بِي عليٌّ فِي المَسَاءِ. رَجَانِي أَنْ أَحُلَّ مَحَلَّهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِسَبَبِ مَرَضِ ابْنَتِهِ ليلى، الَّتِي كُنْتُ أَسْتَمْتِعُ بِاللَّعِبِ مَعَهَا دَائِمًا. وَافَقْتُ عَلَى طَلَبِهِ مِنْ بَابِ الشَّفَقَةِ عَلَى الصَّغِيرَةِ، وَلِسُوءِ حَظِّي كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ مُمْطِرَةً.

اتَّصَلْتُ بِسَائِقِ سَيَّارَةِ الأُجْرَةِ الَّذِي كَانَ لَدَيَّ رَقْمُهُ، وَأَقْنَعْتُهُ بِأَنْ يُقِلَّنِي إِلَى مَكَانِ العَمَلِ رَغْمَ العَاصِفَةِ.

عِنْدَمَا وَصَلْتُ إِلَى المَكَانِ، وَجَدْتُ أَسعَدَ يَنْتَظِرُنِي عِنْدَ المَدْخَلِ، وَلَكِنَّ مِزَاجِي السَّيِّئَ جَعَلَنِي لَا أَرُدُّ التَّحِيَّةَ كَمَا يَجِبُ، فَدَخَلْتُ مُسْرِعًا.

أَمْضَيْتُ سَاعَةً فِي تَصْحِيحِ الأَخْطَاءِ فِي المَلَفَّاتِ، وَبَعْدَ الانْتِهَاءِ مِنْ عَمَلِي، تَوَجَّهْتُ إِلَى آلَةِ القَهْوَةِ لِتَحْسِينِ مِزَاجِي الَّذِي تَدَهْوَرَ بِسَبَبِ أَخْطَاءِ المُوَظَّفِينَ فِي التَّعَامُلِ مَعَ البَيَانَاتِ، وَشَعَرْتُ بِأَنَّ مَكَانَ العَمَلِ مَلِيءٌ بِالأَشْخَاصِ الغَيْرِ مُدْرِكِينَ.

بَعْدَ أَنْ ضَغَطْتُ عَلَى زِرِّ تَشْغِيلِ الآلَةِ وَوَضَعْتُ الحَلِيبَ وَالقَهْوَةَ فِي أَمَاكِنِهِمَا، سَمِعْتُ رَنِينَ الهَاتِفِ.

رَكَضْتُ إِلَى المَكْتَبِ وَرَفَعْتُ السَّمَاعَةَ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَرُدُّ عَلَى تَحِيَّتِي، فَكَرَّرْتُهَا عِدَّةَ مَرَّاتٍ دُونَ جَدْوَى. وَضَعْتُ السَّمَاعَةَ وَعُدْتُ لِأُحْضِرَ قَهْوَتِي، وَلَكِنِّي فُوجِئْتُ بِأَنَّ المَشْرُوبَ أَسْوَدُ بَدَلًا مِنَ القَهْوَةِ الَّتِي اخْتَرْتُهَا، ظَنَنْتُ أَنَّهَا قَهْوَةٌ سَوْدَاءُ وَأَنَّنِي نَسِيتُ إِضَافَةَ الحَلِيبِ.

أَخَذْتُ الكُوبَ إِلَى أَسعَدَ، لِأَنَّنِي اعْتَدْتُ عَلَى شُرْبِ القَهْوَةِ السَّوْدَاءِ فِي الصَّبَاحِ وَلَيْسَ فِي المَسَاءِ. لَمْ أَجِدْهُ مُنْهَمِكًا فِي عَمَلِهِ كَالعَادَةِ. تَعَجَّبْتُ مِنْ مُغَادَرَتِهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ المُتَأَخِّرَةِ وَفِي ذَلِكَ الطَّقْسِ المُمْطِرِ، فَتَرَكْتُ الكُوبَ عَلَى طَاوِلَةٍ زُجَاجِيَّةٍ بِالقُرْبِ مِنْ بَابِ مَكْتَبِهِ وَعُدْتُ إِلَى مَكْتَبِي.

تَكَرَّرَتْ قِصَّةُ الاتِّصَالِ الصَّامِتِ مَعَ رَنِينِ الهَاتِفِ مَرَّةً أُخْرَى، وَبَعْدَ أَنْ رَفَعْتُ السَّمَاعَةَ لَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ ذَلِكَ الشَّخْصُ المُحِبُّ لِلصَّمْتِ. أَلْقَيْتُ السَّمَاعَةَ بِغَضَبٍ، ثُمَّ انْحَنَيْتُ لأَلْتَقِطَهَا وَوَضَعْتُهَا فِي مَكَانِهَا، وَلَكِنِّي شَعَرْتُ بِالرُّعْبِ عِنْدَمَا رَأَيْتُ كُوبَ القَهْوَةِ السَّوْدَاءِ بِجَانِبِ الهَاتِفِ.

قَفَزْتُ مِنْ مَكَانِي مَذْعُورًا وَهَرَعْتُ إِلَى مَكْتَبِ أَسعَدَ، آمِلًا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَادَ، وَأَنَا أَرْتَجِفُ مِنَ الخَوْفِ.

وَجَدْتُ شَخْصًا آخَرَ لَمْ أَرَهُ مِنْ قَبْلُ. دَقَّاتُ قَلْبِي تَسَارَعَتْ وَأَنَا أَرْتَجِفُ، وَلَمْ أَسْتَطِعْ رُؤْيَةَ مَلَامِحِ وَجْهِهِ بِوُضُوحٍ لِأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الأَرْضِ.

كُنْتُ عَلَى وَشْكِ العَوْدَةِ إِلَى مَكْتَبِي عِنْدَمَا تَحَدَّثَ بِصَوْتٍ غَرِيبٍ جِدًّا، مِمَّا جَعَلَنِي أَشْعُرُ بِدُوَارٍ شَدِيدٍ.

جَمَعْتُ قِوَايَ وَرَكَضْتُ إِلَى مَكْتَبِي عَبْرَ المَمَرِّ المُظْلِمِ، وَأَغْلَقْتُ البَابَ الزُّجَاجِيَّ الشَّفَّافَ خَلْفِي، وَأَلْقَيْتُ بِجَسَدِي الثَّقِيلِ عَلَى الكُرْسِيِّ الجِلْدِيِّ البَارِدِ، الَّذِي أَصْبَحَ سَاخِنًا جِدًّا كَأَنَّهُ مَوْقِدٌ.

نَظَرْتُ أَمَامِي فَصُدِمْتُ أَكْثَرَ عِنْدَمَا رَأَيْتُ كُوبَ القَهْوَةِ السَّوْدَاءِ المَلْعُونِ، وَكَأَنَّنَا فِي مَعْرَكَةٍ، حَيْثُمَا أَنْظُرُ أَجِدْ جُنُودًا. لَمْ أَخَفْ مِنْ دُخَانِ الكُوبِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لِأَنَّ تَفْكِيرِي كَانَ مَشْغُولًا بِذَلِكَ الكَائِنِ.

رَنَّ الهَاتِفُ المَشْؤُومُ مَرَّةً أُخْرَى وَلَمْ أَسْتَطِعِ الرَّدَّ.

وَاصَلَ الرَّنِينُ بِلَا كَلَلٍ، فَرَفَعْتُ السَّمَاعَةَ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ.

سَأَلْتُهُ بِرَجْفَةٍ إِذَا كَانَ يَتَكَلَّمُ بِلُغَةٍ يُمْكِنُنِي فَهْمُهَا. لَمْ أَتَوَقَّفْ عَنْ التَّحْدِيقِ فِي البَابِ الشَّفَّافِ وَالكُوبِ المَوْجُودِ عَلَى المَكْتَبِ.

وَبَيْنَمَا كُنْتُ أَشْعُرُ بِأَنَّنِي عَلَى وَشْكِ أَنْ أَفْقِدَ وَعْيِي، أَعَادَ مُحَدِّثِي إِلَى الوَاقِعِ بِكَلِمَاتٍ بِلَهْجَتِي، مِمَّا جَلَبَ لِي بَعْضَ الرَّاحَةِ. وَلَكِنْ، لِلْأَسَفِ، كَانَ ذَلِكَ مُجَرَّدَ سَرَابٍ، أَمَلٍ زَائِفٍ…

أَمَرَنِي بِصَوْتٍ حَازِمٍ أَنْ أَشْرَبَ القَهْوَةَ السَّوْدَاءَ الَّتِي أَعَدَّهَا خَصِيصًا لِي. بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ أَتَذَكَّرْ شَيْئًا.

اسْتَيْقَظْتُ عَلَى صَوْتِ رَئِيسِي، الَّذِي بَدَا قَلِقًا بِشَأْنِ حَالَتِي، وَسَارَعَ لِيُقَدِّمَ لِي كُوبًا مِنَ المَاءِ، وَبَدَأَ يَسْأَلُنِي أَسْئِلَةً جَعَلَتْنِي أَشْعُرُ بِالحَيْرَةِ.

وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي كُنْتُ أَسْتَعِدُّ لِلْمُغَادَرَةِ، دَخَلَ أَسعَدْ وَبَدَا عَلَى وَجْهِهِ عَلامَاتُ الغَضَبِ. سَأَلَنِي عَنِ السَّبَبِ الَّذِي جَعَلَنِي أُغْلِقُ عَلَيْهِ البَابَ الخَارِجِيَّ لِلْمَبْنَى بَعْدَ أَنْ طَلَبْتُ مِنْهُ أَنْ يُحْضِرَ لِي عُلْبَةَ سَجَائِرَ مِنَ المَتْجَرِ القَرِيبِ.

لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَشْرَحَ لَهُ أَيَّ شَيْءٍ، فَأَدَرْتُ نَظَرِي بَعِيدًا عَنْهُ وَغَادَرْتُ المَكَانَ دُونَ أَنْ أَنْظُرَ خَلْفِي.

-----------------------------------

3

اليد الباردة!!

قصة قصيرة

هٰذِهِ قِصَّةُ حَقِيقِيَّةُ مُسْتَلْهَمَةٌ مِنْ عَوَالِمِ الخَيَالِ، وَلَا تَمُتُّ لِلْوَاقِعِ بِصِلَةٍ...

لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِي قَطُّ أَنَّ الخُطْوَةَ الَّتِي سَأُقْدِمُ عَلَيْهَا نَحْوَ مَنْزِلِ جَارَتِي المُجَاوِرِ لِلْغَابَةِ فِي جَنُوبِ تُورُونْتُو سَتَقْلِبُ تَصَوُّرَاتِي لِلْوَاقِعِ رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ.

جَارَتِي، السَّيِّدَةُ الكَنَدِيَّةُ ذَاتُ الشَّعْرِ الأَشْقَرِ، كَانَتْ قَدْ تَرَكَتِ المَدِينَةَ لِبِضْعَةِ أَسَابِيعَ، وَأَوْكَلَتْ إِلَيَّ مَهَمَّةَ الاِعْتِنَاءِ بِنَبَاتَاتِهَا أَثْنَاءَ غِيَابِهَا. كَانَ الأَمْرُ يَبْدُو طَلَبًا عَادِيًّا وَبَسِيطًا، غَيْرَ أَنَّنِي لَمْ أُدْرِكْ أَنَّنِي عَلَى وَشْكِ الاِنْغِمَاسِ فِي سِلْسِلَةٍ مِنَ الأَحْدَاثِ الغَرِيبَةِ.

عِنْدَمَا زُرْتُ المَنْزِلَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، كَانَتِ السَّمَاءُ مُغَطَّاةً بِالسُّحُبِ وَالرِّيَاحُ تَزْمَجِرُ مُعْلِنَةً عَنْ عَاصِفَةٍ فِي الأُفُقِ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يَدْعُو لِلشَّكِّ فِي البِدَايَةِ؛ فَالمَنْزِلُ مِنَ الخَارِجِ بَدَا طَبِيعِيًّا، مُتَوَاضِعًا فِي أَحْضَانِ الطَّبِيعَةِ، وَلَا يَخْتَلِفُ عَنْ أَيِّ مَنْزِلٍ آخَرَ فِي المِنْطَقَةِ. لَكِنْ مَا إِنْ دَخَلْتُهُ حَتَّى اِنْتَابَنِي شُعُورٌ بِالبُرُودَةِ الغَامِضَةِ تَنْتَشِرُ فِي المَكَانِ، بُرُودَةٌ لَا تَتَمَاشَى مَعَ حَرِّ الصَّيْفِ الخَارِجِيِّ.

أَثْنَاءَ تَجَوُّلِي فِي المَمَرَّاتِ لِفَحْصِ النَّبَاتَاتِ وَسِقَايَتِهَا، لَاحَظْتُ أَنَّ هُنَاكَ أُمُورًا لَا تَبْدُو صَحِيحَةً. الأَثَاثُ يَبْدُو كَأَنَّهُ تَحَرَّكَ قَلِيلًا عَنْ أَمَاكِنِهِ، وَاللَّوْحَاتُ عَلَى الجُدْرَانِ مُعَلَّقَةٌ بِزَوَايَا غَيْرِ مَأْلُوفَةٍ. فِي البِدَايَةِ، ظَنَنْتُ أَنَّ الرِّيَاحَ العَاتِيَةَ قَدْ تَكُونُ السَّبَبَ، لَكِنْ كَيْفَ لِلرِّيَاحِ أَنْ تُؤَثِّرَ عَلَى مُحْتَوَيَاتِ مَنْزِلٍ مُغْلَقٍ؟

بَدَأْتُ أَسْمَعُ أَصْوَاتًا خَفِيضَةً تَتَسَلَّلُ إِلَى سَمْعِي، أَصْوَاتٌ تُشْبِهُ الهَمَسَاتِ الغَامِضَةَ. فِي البِدَايَةِ، اِعْتَقَدْتُ أَنَّهَا مُجَرَّدُ تَوَهُّمَاتٍ بِسَبَبِ الهَوَاءِ الَّذِي يَنْفُذُ مِنَ النَّوَافِذِ، لَكِنَّ الهَمْسَ اِسْتَمَرَّ وَأَصْبَحَ أَكْثَرَ وُضُوحًا، وَكَأَنَّهُ يُنَادِينِي نَحْوَ الغَابَةِ القَاتِمَةِ خَلْفَ المَنْزِلِ. كَانَتْ رَغْبَتِي فِي الهُرُوبِ قَوِيَّةً، لَكِنَّ الفُضُولَ دَفَعَنِي لِلْبَحْثِ عَنْ مَصْدَرِ هٰذِهِ الأَصْوَاتِ.

تَوَجَّهْتُ نَحْوَ البَابِ الخَلْفِيِّ الَّذِي يُطِلُّ عَلَى الغَابَةِ، وَمَعَ تَسَارُعِ دَقَّاتِ قَلْبِي، فَتَحْتُهُ لِأَجِدَ العَتَمَةَ تَلْتَهِمُ كُلَّ شَيْءٍ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ خَارِجًا سِوَى الظَّلَامِ الدَّامِسِ لِلْغَابَةِ الَّتِي كَانَتْ تَبْدُو وَكَأَنَّهَا تَحْبِسُ أَنْفَاسَهَا فِي اِنْتِظَارِ شَيْءٍ مَا. عُدْتُ إِلَى الدَّاخِلِ مُحَاوِلًا إِغْلَاقَ البَابِ، لَكِنَّنِي شَعَرْتُ بِلَمْسَةٍ بَارِدَةٍ عَلَى كَتِفِي. اِلْتَفَتُّ بِسُرْعَةٍ لِأَجِدَ… لَا شَيْءَ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ.

لَمْ أَتَمَكَّنْ مِنَ النَّوْمِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. كَانَتِ الأَحْدَاثُ الَّتِي مَرَرْتُ بِهَا تَتَرَدَّدُ فِي ذِهْنِي، مُتَمَنِّعَةً عَنِ الاِسْتِقْرَارِ. وَفِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، شَعَرْتُ بِدَافِعٍ غَرِيبٍ يَدْفَعُنِي لِلْعَوْدَةِ إِلَى المَنْزِلِ لِاِسْتِكْشَافِ مَا يَحْدُثُ بِالفِعْلِ. وَكُلَّمَا اِقْتَرَبْتُ مِنَ الحَقِيقَةِ، كَانَتِ الأُمُورُ تَزْدَادُ تَعْقِيدًا وَغُمُوضًا.

كُلُّ زِيَارَةٍ جَدِيدَةٍ لِلْمَنْزِلِ كَانَتْ تَكْشِفُ المَزِيدَ مِنَ الأَسْرَارِ. الأَشْيَاءُ كَانَتْ تَتَحَرَّكُ بِمُفْرَدِهَا، وَالأَصْوَاتُ تَحَوَّلَتْ إِلَى هَمَسَاتٍ غَامِضَةٍ تَنْبَعِثُ مِنَ الجُدْرَانِ. بَدَأْتُ أَحِسُّ بِأَنَّنِي لَسْتُ وَحْدِي، وَأَنَّ هُنَاكَ مَنْ يُشَارِكُنِي الإِقَامَةَ، كِيَانٌ غَيْرُ مَرْئِيٍّ وَلَكِنَّهُ مَلْمُوسٌ.

فِي إِحْدَى اللَّيَالِي، قَرَّرْتُ البَقَاءَ فِي المَنْزِلِ حَتَّى وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ، مُسَلَّحًا بِالشَّجَاعَةِ وَمِصْبَاحٍ يَدَوِيٍّ. جَلَسْتُ فِي الصَّالُونِ، مَرْكَزِ الأَحْدَاثِ العَجِيبَةِ، وَاِنْتَظَرْتُ. لَمْ يَطُلِ الأَمْرُ حَتَّى عَادَتِ الهَمَسَاتُ، تَبِعَتْهَا خُطُواتٌ خَفِيفَةٌ تَأْتِي مِنَ الطَّابِقِ الأَعْلَى. تَتَبَّعْتُ الصَّوْتَ بِحَذَرٍ حَتَّى وَصَلْتُ إِلَى غُرْفَةٍ كَانَتْ مُغْلَقَةً دَائِمًا خِلَالَ زِيَارَاتِي السَّابِقَةِ.

فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، شَعَرْتُ بِاللَّمْسَةِ البَارِدَةِ نَفْسِهَا مَرَّةً أُخْرَى، لَكِنْ هٰذِهِ المَرَّةَ لَمْ أَفْزَعْ. اِسْتَدَرْتُ بِتُؤَدَةٍ، وَبِضَوْءِ مِصْبَاحِي الخَافِتِ، رَأَيْتُهَا. كَانَتْ مُجَرَّدَ ظِلٍّ لِشَخْصٍ أَوْ شَيْءٍ يَقِفُ فِي الرُّكْنِ، يُرَاقِبُنِي. لَمْ أَسْتَطِعْ تَمْيِيزَ مَلَامِحِهِ بِدِقَّةٍ، لَكِنِّي شَعَرْتُ بِنَظَرَاتِهِ تَخْتَرِقُنِي.

"مَنْ أَنْتَ؟" سَأَلْتُ بِهَمْسٍ، دُونَ أَنْ أَتَوَقَّعَ رَدًّا. تَحَرَّكَ الظِّلُّ، كَأَنَّهُ يُشِيرُ لِي بِالتَّبَعِيَةِ، وَهٰذَا مَا فَعَلْتُ. قَادَنِي إِلَى غُرْفَةٍ مَلِيئَةٍ بِالغُبَارِ، تَحْتَوِي عَلَى كُتُبٍ قَدِيمَةٍ وَصُوَرٍ. فِي وَسَطِ الغُرْفَةِ، وَجَدْتُ صُنْدُوقًا خَشَبِيًّا عَتِيقًا. فَتَحْتُهُ بِحَذَرٍ لِأَجِدَ بِدَاخِلِهِ يَوْمِيَّاتٍ وَرَسَائِلَ تَعُودُ لِلسُّكَّانِ الأَصْلِيِّينَ لِلْمَنْزِلِ، تَرْوِي قِصَّةَ حُبٍّ وَخَسَارَةٍ وَأَسْرَارًا خَفِيَّةً تَتَعَلَّقُ بِالأَسْرَارِ الَّتِي تُحِيطُ بِالمَنْزِلِ وَالغَابَةِ المُجَاوِرَةِ لَهُ. كُلَّمَا قَرَأْتُ أَكْثَرَ، كُلَّمَا شَعَرْتُ بِالسَّكِينَةِ تَتَسَرَّبُ إِلَى رُوحِي، وَكَأَنَّنِي أَتَصَالَحُ مَعَ الأَرْوَاحِ الَّتِي عَاشَتْ هُنَا. لَمْ تَكُنْ لَدَيْهِمُ النِّيَّةُ لِإِلْحَاقِ الضَّرَرِ، بَلْ كَانُوا يَسْعَوْنَ فَقَطْ لِلتَّوَاصُلِ وَالفَهْمِ. قَرَّرْتُ أَنْ أُعِيدَ الصُّنْدُوقَ إِلَى مَكَانِهِ الأَصْلِيِّ، وَعِنْدَمَا فَعَلْتُ، اِخْتَفَتِ البُرُودَةُ وَهَدَأَتِ الهَمَسَاتُ.

مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، لَمْ أَعُدْ أَشْهَدُ أَيَّ ظَوَاهِرَ غَرِيبَةٍ فِي المَنْزِلِ. يَبْدُو أَنَّ الأَرْوَاحَ وَجَدَتِ الرَّاحَةَ الَّتِي كَانَتْ تَبْحَثُ عَنْهَا، وَأَنَا بِدَوْرِي حَصَلْتُ عَلَى تَجْرِبَةٍ لَا تُنْسَى. عِنْدَمَا عَادَتْ جَارَتِي، اِخْتَرْتُ أَلَّا أُخْبِرَهَا بِمَا حَدَثَ. اِكْتَفَيْتُ بِالقِيَامِ بِوَاجِبِي فِي سَقْيِ النَّبَاتَاتِ وَالعِنَايَةِ بِالمَنْزِلِ كَمَا وَعَدْتُ. رُبَّمَا كَانَ مِنَ الأَفْضَلِ أَنْ تَظَلَّ بَعْضُ الأَسْرَارِ مَخْفِيَّةً، خُصُوصًا تِلْكَ الَّتِي تَحْمِلُ بَيْنَ طَيَّاتِهَا عَاطِفَةً عَمِيقَةً وَتَارِيخًا غَامِضًا.

مَعَ مُرُورِ الأَيَّامِ، بَدَأْتُ أَنْظُرُ إِلَى المَنْزِلِ المُجَاوِرِ لِلْغَابَةِ بِنَظْرَةٍ مَلْؤُهَا الاِحْتِرَامُ وَالدَّهْشَةُ. لَمْ يَعُدْ فِي نَظَرِي مُجَرَّدَ بِنَاءٍ قَدِيمٍ، بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى شَاهِدٍ عَلَى قِصَّةِ حُبٍّ أَبَدِيَّةٍ وَرَوَابِطَ تَخَطَّتْ حُدُودَ الزَّمَانِ. أَدْرَكْتُ أَنَّ الحَيَاةَ مَلِيئَةٌ بِالأَلْغَازِ وَالقِصَصِ الَّتِي لَا يَسْتَطِيعُ العَقْلُ فَهْمَهَا دَائِمًا، وَأَنَّ بَعْضَ هٰذِهِ الأَسْرَارِ يُمْكِنُ أَنْ تَظْهَرَ لِلنُّورِ، بَيْنَمَا يَبْقَى البَعْضُ الآخَرُ مَسْتُورًا فِي العَتَمَةِ، يَنْتَظِرُ مَنْ يَكْشِفُهُ.

كُلَّمَا مَرَرْتُ بِجَانِبِ الغَابَةِ الآنَ، أُرْسِلُ تَحِيَّاتِي الصَّامِتَةَ إِلَى أَرْوَاحِ سُكَّانِ المَنْزِلِ الرَّاحِلِينَ، مُمتَنًّا لَهُمْ عَلَى تَذْكِيرِي بِأَنَّ العَالَمَ مَلِيءٌ بِالعَجَائِبِ وَالأَسْرَارِ الَّتِي تَنْتَظِرُ مَنْ يَكْشِفُهَا. وَمَعَ اِسْتِمْرَارِ الحَيَاةِ فِي تُورُونْتُو، يَظَلُّ المَنْزِلُ القَرِيبُ مِنَ الغَابَةِ، بِكُلِّ مَا يَحْمِلُهُ مِنْ أَلْغَازٍ، نُقْطَةً مُضِيئَةً فِي ذَاكِرَتِي، تَذْكِيرًا بِأَنَّ العَالَمَ أَكْبَرُ وَأَعْمَقُ مِمَّا نَتَصَوَّرُ.

-------------

4

طلّقها يا بني!

قصة ساخرة

كَانَ هُنَاكَ شَخْصٌ أَنْهَى زَوَاجَهُ لَيْسَ لِعَيْبٍ فِي شَرِيكَتِهِ، بَلْ لِاعْتِقَادِهِ بِأَنَّهَا تَجْلِبُ لَهُ نَحْسًا. أَمَامَ الْقضَاءِ، شَرَحَ الزَّوْجُ دَوَافِعَهُ بِالتَّفْصِيلِ، فِي حِينِ وَقَفَتِ الزَّوْجَةُ صَامِتَةً.

أَفَادَ الزَّوْجُ: "تَصَوُّرْ يَا سِيَادَةَ الْقَاضِي، فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَابَلْتُهَا فِيهِ، كُنْتُ قَدْ رَكَنْتُ سَيَّارَتِي وَذَهَبْتُ لِأَرَاقِبَهَا مِنْ بَعِيدٍ. وَبَغْتَةً، اصْطَدَمَتْ شَاحِنَةُ الْقُمَامَةِ بِسَيَّارَتِي وَحَطَّمَتْهَا. وَعِنْدَمَا ذَهَبَتْ عَائِلَتِي لِطَلَبِ يَدِهَا، تُوُفِّيَتْ أُمِّي، وَتَحَوَّلَ الْمشْوَارُ مِنْ مَنْزِلِ الْعَرُوسِ إِلَى مَدَافِنِ الْعَائِلَةِ! وَفِي فَتْرَةِ الْخِطْبَةِ، كُلُّ زِيَارَةٍ لِلسُّوقِ مَعَهَا كَانَتْ تَنْتَهِي بِمُخَالَفَةٍ مرُورِيَّةٍ. هَلْ هَذَا مِنَ الطَّبِيعِيِّ، سِيَادَةَ الْقَاضِي؟

وَفِي يَوْمِ زِفَافِنَا، انْدَلَعَ حَرِيقٌ فِي مَنْزِلِ الْجِيرَانِ وَامْتَدَّ إِلَى بَيْتِنَا وَامْتَدَّتِ النِّيرَانُ إِلَى مَنْزِلِنَا وَالْتَهَمَتْ جُزْءًا كَبِيرًا مِنْهُ. وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي جَاءَ وَالِدِي لِزِيَارَتِنَا، أُصِيبَ وَالِدِي بِكَسْرٍ فِي سَاقِهِ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مُصَابٌ بِالسُّكَّرِي، رَغْمَ تَمْتُعِهِ بِصِحَّةٍ جَيِّدَةٍ، وَأَخَذْنَاهُ لِلْعِلاَجِ فِي الْخَارِجِ وَلَمْ يَعُدْ حَتَّى الْآنَ. وَكُلُّ زِيَارَةٍ مِنْ أَخِي وَزَوْجَتِهِ كَانَتْ تَنْتَهِي بِشَجَارٍ بَيْنَهُمَا، كَانَتِ الْعَائِلَةُ تهْمِسُ لِي بِأَنَّ زَوْجَتِي هِيَ سَبَبُ الْمَصَائِبِ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَيْنَا، لَكِنَّنِي لَمْ أَكُنْ أُصَدِّقُ فَهِيَ زَوْجَةٌ رَائِعَةٌ وَبِهَا كُلُّ الصِّفَاتِ الَّتِي يَتَمَنَّاهَا كُلُّ شَابٍّ. لَكِنْ يَا سِيَادَةَ الْقَاضِي، بَدَأْتُ أَلاَحِظُ أَنَّ حَالَتِي الْمَادِيَّةَ فِي تَدهُورٍ مُسْتَمِرٍّ، وَأَنَّ رَاتِبِي بِالْكَادِ يَكْفِي مَصَارِيفَ الشَّهْرِ. بِالْأَمْسِ فَقَطْ، فَقَدْتُ وَظِيفَتِي، فَقَرَّرْتُ أَلاَّ أَبْقِي هَذِهِ الزَّوْجَةَ عَلَى ذِمَّتِي!"

أَصَرَّ الْقَاضِي عَلَى عَوْدَةِ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا، مُؤَكِّدًا أَنَّ الْأَحْدَاثَ كَانَتْ صُدَفًا وَلَيْسَتْ بِسَبَبِهَا. وَلَكِنْ قَبْلَ أَنْ يغَادِرَ الرَّجُلُ الْقَاعَةَ مَعَ زَوْجَتِهِ، تَسَلَّمَ الْقَاضِي رِسَالَةً بِإِنْهَاءِ خِدْمَاتِهِ، فَعَادَ وَنَادَى عَلَى الرَّجُلِ وَقَالَ لَهُ: "أَقُولُ لَكَ، طَلِّقْهَا يَا ابْنِي، طَلِّقْهَا."

-------------------------------------------

5

مَنْ كَسبَ المُراهنة؟!

قصة قصيرة

بقلم : د. ادم عربي

سميرٌ كانَ ينتظرُ نهايةَ اليومِ بفارغِ الصبرِ ليفوزَ بالمراهنةِ، كانَ واثقًا ومطمئنًّا من أنهُ سينتصرُ في نهايةِ المطافِ، حيثُ إنَّ العلمَ يُفنِّدُ ويدحضُ كلَّ خرافاتِ الماضي، وقصصَ التخلُّفِ، والسحرِ والشعوذةِ.

كانَ في فترةِ ما بعدَ الظهرِ، كانَ سميرٌ جالسًا في غرفتهِ وأمامَ حاسوبهِ يتابعُ المواقعَ الاجتماعيةَ التواصليةَ. فجأةً، شعرَ بأنَّ رأسهُ أصبحَ غيرَ متزنٍ وثقيلًا، ثمَّ تغيَّرَ شكلُ يديه. نظرَ إليهما فلم يُصدقْ أنَّهما تشبهانِ يدي كلبٍ. حاولَ الوقوفَ ولكنَّهُ لم يستطعْ، فقد تغيَّرتْ قدماهُ، وأصبحَ يمشي على أربعٍ. خرجَ من غرفتهِ غاضبًا، وعندما شاهدتهُ أمُّهُ ارتجفتْ وصاحتْ:

– بسمِ اللهِ، من أينَ دخلَ هذا الكلبُ البيتَ؟ يا سميرُ، هلْ أحضرتَ كلبًا معكَ يا بُني؟

حاولَ أنْ يشرحَ لأمِّهُ أنَّهُ ليسَ كلبًا، لكنَّ صوتَهُ كانَ يخرجُ نباحًا مُضحكًا، فلا هوَ بالكلامِ ولا هوَ بالنباحِ. تماسكتْ أمُّهُ بعدَ هولِ المفاجأةِ، نادتْ عليهِ في غرفتهِ فلمْ يردْ عليها. بعدَ أنْ خذلها سميرُ، حملتْ عصا المكنسةِ وفتحتْ بابَ البيتِ الرئيسي، وأشارتْ للكلبِ أنْ يخرجَ منَ البيتِ، ثمَّ لحقتْ بهِ بالعصا كي تطردهُ، لكنَّهُ قاومَ، فأينَ يذهبُ بهذهِ الحالِ؟ ضربتهُ ضربًا مُبرِّحًا أبكاهُ، رجاها بنباحهِ أنْ تتوقفَ فهوَ سميرُ ابنها الذي تُحبُّهُ، وعندما فشلَ قرَّرَ مغادرةَ البيتِ باكيًا.

ألقى نظرةً حزينةً نحوَ البيتِ متألمًا، ثمَّ هامَ في الشوارعِ المحيطةِ بالبيتِ لعلَّهُ يرى أحدًا يعرفهُ فيتعرفَ عليهِ، أو يحنَّ عليهِ.

في الطريقِ لمحَ جارهُ فنظرَ إليهِ ونبحَ لعلَّهُ يعرفهُ، أو يحنَّ إليهِ، فما كانَ منْ جارهِ إلَّا أنْ ضربهُ بحجرٍ أصابهُ في بطنهِ. شعرَ بألمٍ شديدٍ، وصرخَ، وتركهُ وهربَ، يلعنُ جارهُ وكلَّ جيرانهِ التعساءِ.

في الشارعِ الموازي لمحَ أختَهُ سميرةَ عائدةً منَ السوقِ وخلفها شابٌّ يُعاكسها، فأسرعَ نحوها وهجمَ على الشابِّ فهربَ وتركَ سميرةَ. فلحقها وسارَ معها يحميها. كانَ يتحدثُ معها لكنَّها لم تكنْ تفهمُ ما يقولُ، فلا أحدَ في بيتها يعرفُ لغةَ الكلابِ. كانتْ سعيدةً ومستغربةً في آنٍ أنْ كلبًا يسيرُ معها ويحميها. بعضُ الكلابِ أكثرُ أمانًا منَ البشرِ، فقدْ أنقذها منْ معاكساتِ الشبابِ، وعندما وصلتْ البيتَ حاولَ الدخولَ معها فمنعتْهُ وأغلقتْ البابَ بعدَ أنْ تركتْهُ خارجَهُ. حتى أنتِ يا سميرةُ!

عادَ يتسكعُ في الشوارعِ، تابعَ سيرهُ حتى وجدَ شجرةً في الطريقِ فجلسَ تحتها يُراقبُ المارةَ الذينَ كانَ معظمُهم يتحاشونَ الاقترابَ منهُ. آهِ لو يعرفونَ أنَّهُ إنسانٌ وليسَ كلبًا.

بعدَ لحظاتٍ اقتربَ أبٌ وابنُهُ، فركضَ الابنُ نحوَ سميرٍ، وحياهُ، ثمَّ بدأَ يداعبهُ. شعرَ سميرُ بحنانِ هذا الطفلِ ورفعَ يدَهُ يُسلِّمُ عليه. جففَ الطفلُ دموعَ سميرٍ وقالَ لوالدهِ:

– أولَ مرةٍ أرى كلبًا يبكي كالبشرِ!

هزَّ سميرُ رأسهُ، وأخرجَ صوتًا غريبًا. حنَّ الطفلُ على الكلبِ، فسألَ والدهُ:

– هل أستطيعُ اصطحابَ هذا الكلبِ إلى البيتِ؟

ما أنْ سمعَ سميرُ ذلكَ حتى هربَ، فهوَ لا يريدُ أنْ يُصبحَ أسيرَ بيتِ أحدِ الناسِ. يريدُ أنْ يعودَ لبيتهِ، يريدُ أنْ يعودَ لغرفتهِ. اللعنةُ على الأشولِ الساحرِ.

ها هوَ سميرٌ يهذي وهوَ يسيرُ منْ شارعٍ لآخرَ:

– ليتني أعثرُ عليهِ لأريحَ الناسَ منهُ. نجحَ الأشولُ، نعمْ نجحَ في أنْ حولني كلبًا، وفشلتُ أنا. هوَ ساحرٌ فعلًا، لهُ علاقةٌ بالجنِّ، يبدو أنَّهُ أقوى منَ العلمِ، ومنْ قوانينِ الطبيعةِ التي كنتُ أؤمنُ بها. ليتني لم أراهنْهُ، ليتني لم أتحداهُ.

كنتُ دوما أسخرُ منهُ ومنْ سحرهِ، وعندما هدَّدني أنْ يُحوِّلني كلبًا تحديتُهُ أنْ يفعلَ ذلكَ. لقد أنذرني أنَّهُ إنْ فعلَ ذلكَ فلنْ يستطيعَ إعادتي لوضعي السابقِ، فقبلتُ التحدي. كنتُ على وشكِ أنْ أعودَ عنْ رهاني، اتصلتُ بهِ في الصباحِ فلمْ يردَّ، كانَ هاتفهُ مُغلقًا لعلَّهُ تعمَّدَ ذلكَ كي ينتقمَ مني لأنني كنتُ أسخرُ منْ سحرهِ أمامَ كلِّ الناسِ. اللعنةُ، ما العملُ الآنَ؟ هلْ سأظلُّ أسيرًا هكذا بالشوارعِ؟

في منتصفِ الليلِ كانَ سميرٌ أمامَ بيتهِ. ذهبَ أسفلَ غرفةِ والديهِ وبدأَ ينبحُ بصوتٍ عالٍ فأيقظَ والديهِ وجيرانهُ. فتحَ والدهُ نافذةَ غرفتهِ وما أنْ رآهُ سميرُ حتى زادَ في نباحهِ وبدأَ يقفزُ كالبهلوانِ. استغربَ والدُ سميرٍ ذلكَ، بعدَ ثوانٍ تحركَ سميرُ نحوَ بابِ البيتِ وبدأَ ينبحُ أمامهُ ويحاولُ أنْ يطرقَ البابَ لكنْ يدهُ كانتْ خفيفةً عليهِ، فقفزَ في الهواءِ قفزةً عاليةً لا يدري كيفَ وضربَ جرسَ البيتِ. فجأةً فتحَ البابَ وكانَ والدهُ يحملُ بيدهِ سيفًا، إنَّهُ السيفُ الذي كانَ مُعلَّقًا في غرفةِ الصالونِ. توقَّفَ سميرُ عنْ النباحِ وجلسَ على الأرضِ، ينظرُ إلى عيني والدهِ ينتظرُ منهُ أنْ يعرفهُ أو يشفقَ عليهِ. كانَ والدهُ يرفعُ السيفَ عاليًا يريدُ أنْ يضربَهُ بهِ لكنْ عندما رآهُ قدْ جلسَ وتوقفَ عنِ النباحِ، تراجعَ في اللحظاتِ الأخيرةِ.

ثمَّ بدأَ يتحدثُ معَ الكلبِ بلغةِ الإشارةِ طالبًا منهُ الذهابَ، مهددًا بالسيفِ إنْ عادَ.

بدأَ سميرٌ يتساءلُ:

هلْ فشلتُ في مهمتي؟ ترى ألمْ يفتقدوني؟ ألمْ يُبلغوا الشرطةَ عنِ اختفائي المفاجئِ؟

استمرَّ في هذيانهِ حتى الصباحِ. لمْ ينمْ ولا ثانيةً واحدةً. تابعَ سيرهُ للشوارعِ الرئيسيةِ وسطَ الحجارةِ التي تنهالُ عليهِ بينَ الحينِ والآخرِ. بلدٌ لا تحترمُ الإنسانَ، فكيفَ تحترمُ الكلابَ؟

سَارَ جَائِعًا، لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا مِنْذُ عَصَرِ الْأَمْسِ، رَافِضًا أَنْ يَتَنَاوَلَ طَعَامَهُ مِنْ حَاوِيَاتِ الزَّبَالَةِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى فِيهَا بَشَرًا يَبْحَثُونَ عَنْ لُقْمَةِ عَيْشِهِمْ هُنَاكَ. كَانَ مَتْعَبًا وَمَرْهَقًا حَتَّى لَمْحَ فَجْأَةَ السَّاحِر.

تَمَلَّكَهُ الْغَضَب، اهْتَزَّ كُلُّ جَسْمِهِ، حَرَكَ أَنِيَابَهُ لِيَتَأَكَّدَ أَنَّهَا سَلِيمَةٌ، حَرَكَ رَأْسَهُ، أَحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، أَخْرَجَ لِسَانَهُ، بَدَأَ بِالنَّبَاحِ ثُمَّ أَسْرَعَ نَحْوَ السَّاحِر. وَعِنْدَمَا اقْتَرَبَ مِنْهُ قَفَزَ بِاتِّجَاهِهِ كَالْأَسَدِ الْجَسُورِ وَغَرَزَ أَنِيَابَهُ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى. صَرَخَ الْأَشْئُولُ وَطَلَبَ مِنْ الْمَارَّةِ النَّجْدَةَ. حَاوَلَ الْمَارَّةُ نَجْدَتَهُ بِإِبْعَادِ الْكَلْبِ عَنْهُ لَكِنَّهُمْ فَشِلُوا، فَقَدْ وَضَعَ سَمِيرُ كُلَّ قُوَّتِهِ الْجَدِيدَةِ فِي فَكَّيْهِ، وَحَوَّلَ يَدَ السَّاحِرِ إِلَى قُطْعَ مِنْ اللَّحْمِ الْمُتَنَاثِرِ حَتَّى وَصَلَتْ أَنِيَابُهُ لِلْعَظْمِ. سَقَطَ الْأَشْئُولُ عَلَى الْأَرْضِ، وَزَادَ عَدَدُ الَّذِينَ يُهَاجِمُونَ الْكَلْبَ. اسْتَخَدَمَ بَعْضُهُمْ الْعَصَيَّ، وَالْحِجَارَةَ، وَالرُّكْلَ بِالْأَرْجُلِ، حَتَّى تَهَشَّمَ رَأْسُ سَمِيرٍ وَجُرِحَ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَكَانٍ. وَعِنْدَمَا زَادَتْ جُرُوحُهُ، تَرَكَ يَدَ الْأَشْئُولِ مُحَاوَلًا الْهَرَبَ لَكِنَّهُ فَشِلَ، فَقَدْ أَثْخَنَتْهُ الْجُرُوحُ فَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ. كَانَ صَوْتُهُ يُوحِي أَنَّهُ يَلْفِظُ أَنْفَاسَهُ الْأَخِيرَةَ. فَجَأَةً اقْتَرَبَ مِنْهُ مُوَاطِنٌ يَحْمِلُ مَسْدِسًا فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ النَّارَ. صَرَخَ سَمِيرُ صَرْخَةً قَوِيَّةً هَزَّتِ الْمَكَانَ.

فَتَحَ سَمِيرُ عَيْنَيْهِ فَلَمْ يُصَدِّقْ. جَالَ بِبَصَرِهِ يَمِينًا وَشَمَالًا، فَوَجَدَ نَفْسَهُ عَلَى السَّرِيرِ وَحَوْلَهُ وَالِدَاهُ وَأُخْتُهُ سَمِيرَةُ، شَعَرَ بِالسَّعَادَةِ وَتَسَاءَلَ:

– هَلْ أَنْقَذُوهُ فِي اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ؟ هَلْ تَعَرَّفُوا عَلَيْهِ؟ نَظَرَ إِلَى يَدَيْهِ، إِنَّهَا يَدَا إِنْسَانٍ. كَانَتْ أُمُّهُ تَضَعُ يَدَهَا عَلَى رَأْسِهِ تَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، فِيمَا أَبُوهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مُشَفِّقًا وَيَسْأَلُهُ:

– هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ يَا بُنَيِّ؟

تَأَخَّرَ فِي إِجَابَتِهِ، فَهُوَ فِي حِيرَةٍ. هَلْ تَحُولَ ثَانِيَةً لِإِنْسَانٍ؟ هَلْ هَذَا أَبُوهُ الَّذِي طَرَدَهُ بِالسَّيْفِ؟ هَلْ هَذِهِ أُمُّهُ التِّي طَرَدَتْهُ بِالْمَكْنَسَةِ؟

سَأَلَهُمْ:

– هَلْ أَنَا حَيٌّ حَقًّا؟

قَالَتْ أُمُّهُ:

بَسْمَ اللهِ، طَبَعًا أَنْتَ حَيٌّ، هَلْ حَصُلَ لَكَ مَكْرُوهٌ؟ مَا هَذَا الَّذِي كُنْتَ تَهْذِيهِ وَأَنْتَ نَائِمٌ؟

- نَائِمًا؟ هَلْ كُنْتَ نَائِمًا؟ كَمْ يَوْمًا مَرَّ عَلَى نَوْمِي؟

- مِنْذُ سَاعَةٍ فَقَطْ، كُنْتَ تَجْلِسُ أَمَامَ الْحَاسُوبِ فَسَهَوْتَ وَبَدَأْتَ تَهْذِي وَتُصَرِّخُ فَنَقَلْنَاكَ إِلَى السَّرِيرِ.

- الْحَمْدُ لِلَّهِ. إِذًا كَسَبْتَ الرَّهَانَ.

- أَيُّ رَهَانٍ؟ سَأَلُوهُ جَمِيعًا بِصَوْتٍ وَاحِدٍ.

- لِهَذِهِ قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ سَأَشْرَحُهَا لَكُمْ.

- ابْتَسَمَ أَبُوهُ وَقَالَ لَهُ:

يَبْدُو أَنَّ صَدِيقَكَ الَّذِي تَرَاهُنْتَ مَعَهُ كَسَبَ الرَّهَانَ أَيْضًا.

- كَيْفَ؟

-لِأَنَّهُ وَتَرَ أَعْصَابَكَ، وَجَعَلَكَ تَقْلَقُ، وَتُصَرِّخُ وَأَنْتَ نَائِمٌ.

- لَكِنْ لَيْسَ لَهُ عَلَاقَةٌ بِذَلِكَ، أَنَا الَّذِي وَتَرَتْ أَعْصَابِي.

- حَسَنًا، لَكِنْ هُوَ الَّذِي جَعَلَكَ تَشُكُّ فِيمَا تُؤْمِنُ بِهِ، فَتُوتِرَتْ أَعْصَابُكَ. لَوْ كُنْتَ وَاثِقًا جِدًّا مِمَّا تَقُولُ، لَمْ يَحْصُلْ مَعَكَ مَا حَصَلَ الْيَوْمَ.

- مَنْ الَّذِي كَسَبَ الرَّهَانَ إِذًا؟