د. آدم عربي

 

عرض صفحة الكاتب 

أوراق الخريف- رواية: الفصل الثالث عشر

د. آدم عربي

 

في مكتبها الأنيق، جلست جينا خلف مكتبها الكبير. كانت تواجه مشكلة دنيس، وكان عليها أن تجد حلاً لمشكلته. اتصلتْ بسكرتيرتها، التي كانت في الغرفة الأخرى .

قالت جينا ، "هل يمكنك الاتصال بـ دنيس وطلب منه أن يأتي إلى مكتبي؟ لدي موضوع هام أحتاج إلى مناقشته معه."

في الحال ، أجابت السكرتيرة ، وأخذت الهاتف

كانت تعرف أن جينا لا تطلب أبدًا شيئًا إلا عندما يكون لديها ضرورة حقيقية. انطلقت السكرتيرة في الاتصال بدنيس

وهكذا، تم تحديد موعد لدنيس للحضور إلى مكتب جينا. كانت الأفكار تتداول في عقلها، كيف تحل مشكلة دنيس ، فهي ليست بسيطة ، وهو مكسب كبير للشركة بنفس الوقت.

تجول جينا في دوامة أفكارها، تعود بذاكرتها إلى المطعم حيث تتأمل جينا في سخاء أحمد الذي لا يعرف حدودًا، فقد دفع فاتورة الغداء بكل كرم، رغم أن ظروفه المادية لا تسمح. تسأل نفسها، كيف لرجلٍ في حالته أن يظل متمسكًا بمبادئ الكرم والجود؟ إنه لغز يتطلب منها التفكير العميق لفهمه. يبدو أنه لا يعترف بقيود الثروة والفقر، فهو يعطي بلا حساب، مما يجعله في نظرها أغنى الرجال معنويًا.. كانت تتأمله بصمت، تتساءل في دهشة عن سر هذا الرجل الذي يفيض علمًا وحكمة، والذي يبدو أن بساطته ما هي إلا قناع لغز كبير يتوجب عليها كشفه. ترغب في التقرب منه أكثر، لكنها تصطدم بجدار عدم اكتراثه، فهو ليس كأولئك الرجال الذين مروا في حياتها، الذين كانوا يتسابقون لإرسال رسائل الصباح والمساء. أحمد مختلف، لم يبعث يومًا بتلك الرسائل التي تُشعرها بالأهمية، وهذا ما يزيد من حيرتها وإعجابها به في آنٍ معًا.

في غمرة التأملات العميقة، غارقةً كانت جينا في بحر أفكارها، تُفكر بأحمد وإذ بنغمات صوت السكرتيرة تخترق الصمت، تناديها حضر دنيس. لم تتردد جينا، فأجابت بصوتٍ يملؤه الحزم والجدية: "أدخليه الآن، دون تأخير."

- مرحباً جينا

- أهلاً دنيس ، كيف أحوالك وكيف أنت والقمار؟

- أحوالي بخير وزادها خيراً ليلة أمس حيث ربحت عشرة آلاف دولار

- حسناً ، قصرتَ عليَّ المسافة ، لديكَ عندي خبران ، الأول سيعجبك ، لكن الثاني سيزعجك ، هذا مبلغ عشرة آلاف دولار مكافأة من جون رئيس الشركة كونك أفضل رجل مبيعات ، أما الخبر الثاني ، يجب أنْ تُقلع عن لعب القمار ، هذا ليس قولي وإنما قول رئيس الشركة جون ، عليكَ أنْ تختار ما بين لعب القمار والعمل في الشركة ...فهل تفهم ما أقول؟

- لكن ما علاقة القمار بعملي يا جينا ، هل هناك تقصير في العمل؟ ، ثم أنا لا أقدر ترك لعب القمار

- قوانين الشركة تمنعك من العمل لدينا ، من دون مؤهل جامعي ، فكيف وأنتَ مدمن قمار!

- قوانين ماذا؟ شهادات ماذا؟ أنا أفضل رجل مبيعات ، ثم أنا لا أقدر..

- لهذا نريدك عندنا وعلى مسؤوليتنا ، لكن دون إدمان قمار ، فهذا لا يمكن السماح به

- مُدمن قمار ، وماذا يفعلون رؤوس الأموال غير لعب القمار؟ هل تعرفين مع من كنتُ ألعب ليلة أمس؟ مع مدير شركة كوسكو .....

- هذه قوانين شركتنا ، هل تفهم؟

- لا أريد أنْ أفهم

- ماذا؟

- كما سمعتِ

- ألا تخاف على عملك؟

- أنا أعمل لألعب قمار ، لذا عندما تمنعيني من لعب القمار ، فلا داعي لعملي

- دنيس ، إسمع ، أنتَ رجل مبيعات ممتاز ، بل اسطورة ، نحن نحب مساعدة موظفينا ، فكيف إنْ كان الموظف نشيط مثلك ! ، على كل حال ، لن تدفع سنتاً واحداً في علاجك ، الشركة ستدفع كل المصاريف

- أريد أنْ أُفكر في الأمر

- معكَ أسبوع ، في مثل هذا اليوم من الأسبوع القادم تحضر ، أمامك خياران ، القمار أو العمل معنا

- الجواب معرف جينا

خرج دنيس من مكتب جينا والغضب يعتصر قلبه، فالقمار له في نفسه مكانة لا يرغب في التخلي عنها. كانت خطواته تدوي في الأروقة معلنةً عن ثورة الرفض التي تجتاحه.

وقفت جينا خلف زجاج مكتبها تراقب ظهر دنيس المتحجر، تشعر بالقلق ينهش أطراف روحها. كيف لها أن تتخلى عن أفضل رجل مبيعات في فريقها؟ تتوالى الأسئلة في ذهنها دون جواب: "ما العمل؟ كيف أثنيه عن قراره؟" وتظل الإجابات طي الكتمان…

جينا تشعر بالانزعاج من ردة فعل دنيس ، عيناها تتبع حركاته وهو يغادر المكتب، وقلبها ينبض بالقلق.

تفكر جينا في كيفية حل هذه المشكلة، فهل يمكن أن تقنع دنيس بترك لعب القمار؟

تريد جينا أن يوافق دنيس على التخلي عن هذه العادة الضارة، لكنه يرفض بقوة. ما العمل؟

تقرر جينا الاتصال بـ أحمد لأخذ رأيه في هذا الأمر.

تتصل جينا بأحمد وتقول له: "أريد أن أراك، لدي مشكلة في العمل وأحتاج إلى رأيك فيها." يتساءل أحمد: "لماذا؟" تجيب جينا بصوت متردد: "هذا ما سأخبرك به عندما نلتقي" .

في لحظةٍ من عدم التركيز، يرن هاتف جينا مُعلنًا عن مكالمة من أحمد. "أنا الآن بين أحضان المقهى،" يقول بصوتٍ قلق، "لكن إذا كانت الأمور تتطلب حضوري، فسأترك فنجاني وأسرع إليكِ في الشركة. أرى في صوتكِ نبرة التوتر، سأحضر حالاً".

-ما الأمر يا جينا ، تبدو متوترة

- مندوب مبيعاتي هو المشكلة

- تخلصي منه ، فهناك الآلاف غيره

-ليس بهذه السهولة ، فهو عمود الفقري لهذا الفرع

- لا افهم

- جينا تخبرك أحمد بتفاصيل المشكلة وما آلت ،إليها

- يضحك أحمد كثيراً ويقول " هو على حق وأنتم على باطل "

- لم أفهم!

- ما دمتِ يا جينا قد قمتِ بكل الاحتياطات المالية مع هذا الدنيس ، يعني ليس منه خطراَ على الشركة ، وهو رجل مبيعات مميز ، فلمَ تخسرينه؟

- لكنها قوانين الشركة يا أحمد

- هاها ، لو عرف مالكو الشركة به لجعلوه يُدمن على الكوكايين ، هاها ، فرأس المال لا يهمه سوى الربح ، والقلب الذي ينبض بين ضلوعه لا يعرف الشفقة ، فلا داعي للقلق

- لكن ماذا أقول لجون رئيس الشركة

- ما سأقوله لكِ

-وماذا تقول؟

- بما أنه لا خطر منه على رأس المال ، وعلى فلوس الشركة ، وهو أسطورة مبيعات ، تقولين أنه يتعالج في مركز الإدمان ، هو أساساً لن يسألكِ

- لكن أنا حقاً أُريد مساعدة دنيس ، أشفق عليه ، فكل ما يكسب يذهب في القمار

- يا جينا ، هذا الرجل مدمن ، والمدمن لن يترك إلّا بقرار شخصي عن اقتناع ، مدمن التبغ مثلا ، يترك التدخين عندما يمرض بسبب التدخين ، وكذلك مدمن الكحول ، نعم هناك أشخاص أو قلة من البشر تترك الإدمان دون الوصول لمراحله النهائية ، باختصار هذا الرجل سيترك لعب القمار عندما يقع في مشكلة أكبر من القمار ، فدعي الرجل وشأنه

- هذا رأيك؟

-لا يوجد غيره

- جينا تهز رأسها موافقة

جينا تشعر بالارتياح لنصيحة أحمد ، فقد كانت كلماته تلامس قلبها بلطف واهتمام.

تقول له مازحةً: "جيد أنه حدث مشكلة، حتى نراك." تضحك جينا بخفة، وتحاول تخفيف التوتر الذي يلف اللحظة.

تقول له بصوتٍ مرتفع ومليء بالحماس: "هل تقبل دعوتي إلى بيتي في نهاية الأسبوع لحفل شواء؟" تتخبط كلماتها قليلاً، فقد كانت تنتظر ردًا منه.

أحمد يتردد قليلًا، يبدو أنه يفكر في الأمر. هل سيوافق أم يرفض؟

تقول جينا بثقة: "سأنتظرك بفارغ الصبر.' وتبتسم، على أمل أن يكون حفل الشواء فرصة للتقرب أكثر من أحمد.

 

يتبع في الفصل الرابع عشر......