د. آدم عربي
الفأس والرأس!
د. آدم عربي
نجدُ في الأمثال الشعبية التي يتوارثها البشر كثيراً من الكنوز الفكرية ومن ذلك المثل الشعبي الذي يقول: " مَنْ لا يأكل من فأسه، لا يكون رأيه من رأسه".
هذا المثل الشعبي يصلح درساً في علم الاجتماع لجهة ضرورة انطلاقنا من الفأس وليس من العقل، هنا تكمن الفأس بمثابة العاصمة في علم الاجتماع.
الفأس منه ننطلق ، وصِلَتنا به أننا يجب أنْ نملكه ومن ثم فهو يُملِّكنا لقمة العيش ، حين نستعمله في توفير حاجاتنا الأولية بانفسنا من مأكل وملبس ومسكن.
واذا كنا المالكين الحقيقين والقانونين لهذا الفأس، وإذا ما استعملناه بما يُمَكِّنا من إنتاج لقمة عيشنا، فنحن نستطيع أن نملك قرارنا وأنْ يكون قراركَ منْ رأسك وليس من رأس غيرك، بمعنى آخر بامتلاكك للفأس ستصبح من ذوي الإرادة السياسية الحرة، والتي هي تعبير عن حدود مصلحتك لا مصلحة الغير، ومن ثم إنشاء الأفكار والخطط والتصورات التي يحتاج لها المجتمع، وتُعَبِّر عن مصالحه وحاجاته الحقيقية ، لذلك أدعوك أنْ تأكل من فأسك حتى يكون قراركَ من رأسك.
وعندما تكون غريباً عن فأسك ستكون حتماً غريباً عن رأيك، وعندها تستوطن رأسكَ أفكار وآراء كالريح تجري بما تشتهي سفينة غيركَ.
عربياً، وفي المقام الأول "لقمة العيش" الان الحبوب والطاقة والماء الصالح للشرب والزراعة ، والقمح وكل ما هو في استقلال عن الخارج.
قديماً كان الفأس وسيلة إنتاج عيشنا، أما الآن فأدخلوا في رؤوسنا فكرة الاستثمار، مما ساهم في نزع الفأس من يدنا، وعاد بالنفع لمصالحهم، وتشويه حياتنا الاقتصادية، ولم نعد ننتج من السلع إلّا ما نبيعه لهم، وامتلكنا أوراقاً خضراء بدلاً منها، بها نستطيع شراء كل شيء وما زاد نتركه عندهم من أجل مزيداً من الإزدهار في بلادهم، فانصرفنا عن بناء اقتصادنا الحقيقي المشابه لظروفنا وحاجاتنا، ما دامت الشركات والحكومات تملك الاوراق النقدية والمليون يصبح مليوناً ونصف المليون، إنها ثقافة الاستثمار التي أدخلوها في رؤوسنا.
نحن العرب، لا نملك من هذا الوطن الكبير إلّا سطحه، فباطنه بما يحتوي على ثروات، وأجواؤه، وفضاؤه ليس ملكاً لنا، بل لغيرنا وإنْ زوروا لنا الحقائق.
أخذوا منا الفأس طوعاً أو كرهاً، وحالوا بيننا وبين استعادته، ومن ثم سيطروا وتحكموا في لقمة عيشنا، وسيطروا على الثروات، وحولوا ثروتنا الحقيقية إلى أكوام من الورق الأخضر، وتحكموا في طريقة استثمارنا وثقافتنا الاستثمارية فانتجنا أباطرة المال وملايين الفقراء بنفس الوقت، وبرعنا في إعادة إنتاج الفقر، وبرهنا كيف يجتمع السبب والنتيجة، الثراء الطبيعي للوطن والفقر المتقع لأبنائه، فافقر الناس هم ابناء هذا الوطن الغني بالثروات والمعادن والنفط.
كنا فيما مضى نحن أبناء هذا الوطن الكبير ننتج القمح والحبوب والقطن وغيره الكثير، فتعاونا مع الامبريالية الحبوبية لتدمير قوانا المنتجة، فاصبحنا في تبعية حبوبية كاملة لها ومن ثم الى تبعية سياسية، عملاً بقانون "مَنْ يأكل من غير فأسه لا يكون رأيه من رأسه".